
بقلم: مصطفى زكريا
ليست كل طيبة ضعفا ً.. كما أن ليست كل قوة قسوة.
فهناك أشخاص يمتلكون من القوة ما يكفي للحسم والرد ووضع كل إنسان في حجمه الحقيقي، لكنهم يختارون الاحترام، ويُغلّبون الهدوء، ويتعاملون بأخلاقهم لا بحجم قدرتهم.
وهنا تحديدا ً تبدأ المشكلة مع ضعاف النفوس.
فبعض الناس لا يستطيعون فهم فكرة “القوة الهادئة”.
يظنون أن من لا يهاجمهم عاجز، وأن من يصمت لا يعرف،
وأن من يتجاوز عن الأخطاء لا يرى، فيُسيئون قراءة الطيبة، لأنهم اعتادوا قياس القوة بالصوت المرتفع والانفعال والاستعراض.
والحقيقة أن الإنسان القوي لا يحتاج لإثبات نفسه في كل لحظة، فهو لا يدخل كل معركة،
ولا يرد على كل استفزاز، ولا يستعرض قدرته في كل موقف،
لأنه يدرك أن القيمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجا ً كي تُثبت وجودها.
لكن ضعاف النفوس عادة ً يخلطون بين الاحتواء والعجز ..
فيتمادون، ويتجاوزون الحدود،
ويظنون أن صبر الطرف الآخر خوف، حتى تأتي اللحظة التي يكتشفون فيها أن ما اعتبروه ضعفا ً ؛ كان في الحقيقة رُقيا ً وضبطا ً للنفس.
فالإنسان القوي حين يحترم الآخرين؛ لا يفعل ذلك لأنه أقل قدرة، بل لأنه أكبر من الدخول في صغائر الأمور.
وحين يصمت؛ فليس لأنه لا يملك الرد، بل لأنه يرى أن بعض المعارك تُهين من يخوضها أكثر مما تنتصر له.
ولهذا؛ فإن أخطر ما يفعله ضعيف النفس هو اختبار حدود إنسان محترم .. لأن الطيب الحقيقي لا يؤذي بسرعة،
لكنه حين يُجبر على الحسم، يفعلها بلا فوضى، وبلا استعراض، وبلا تردد.
وفي النهاية؛ يرتكب ضعاف النفوس خطأهم الأكبر حين يظنون أن صبر القوي عجز، وأن هدوءه خوف، وأن احترامه حدود لا يستطيع تجاوزها.
فيتمادون ؛؛
حتى تأتي اللحظة التي ينفد فيها صبر الإنسان الذي كان طوال الوقت يختار أخلاقه لا عجزه، وحينها يتحول القوي من الاحتواء إلى الحسم، لا يرفع صوته، ولا يبرر، ولا يكرر التحذير، بل يُغلق الباب كاملا ً، وكأن شيئا ً لم يكن.
وهنا تكون الصدمة الحقيقية.
لأنهم يكتشفون متأخرين أن أكثر ما كان يحميهم .. لم يكن قوتهم هم، بل رحمة القوي بهم، وصبره عليهم، ورغبته في ألا يستخدم الوجه الذي كان قادرا ً على استخدامه منذ البداية.
