هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين.. بل بقدرتها على تطبيقها على الجميع

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

في كل دولة توجد قوانين، وفي كل دولة توجد أجهزة رقابية وأمنية وقضائية، لكن الفارق الحقيقي بين دولة وأخرى لا يكمن في عدد القوانين الصادرة أو حجم العقوبات المكتوبة على الورق، بل في قدرة الدولة على إنفاذ تلك القوانين على الجميع دون تمييز أو استثناء.

فالقانون لا يكتسب هيبته من عدد مواده، ولا من شدة العقوبات التي يتضمنها، وإنما من يقين المواطن أن الجميع يقفون أمامه على قدم المساواة.

ولهذا لم تكن الدول القوية عبر التاريخ هي الأكثر إصدارا ً للتشريعات، بل الأكثر قدرة على تطبيقها بعدالة وحزم.
إن المواطن البسيط لا ينتظر مجتمعا ً خاليا ً من الأخطاء أو التجاوزات، فالجريمة والخطأ والتجاوز ظواهر عرفتها كل المجتمعات منذ فجر التاريخ. لكنه ينتظر شيئا ً أكثر أهمية ؛؛؛ أن يرى القانون يتحرك عندما يقع الخطأ، وأن يطمئن إلى أن العدالة لا تفرق بين قوي وضعيف، أو بين صاحب نفوذ ومواطن عادي.

وحين تضعف هذه القناعة تبدأ المشكلة الحقيقية .. فالدول لا تهتز فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو التحديات الأمنية، بل قد تتأثر أيضا ً عندما يتسلل إلى وجدان الناس شعور بأن هناك من يستطيع الإفلات من المساءلة، أو أن بعض الأشخاص أصبحوا عمليا ً أكبر من المحاسبة؛ عند هذه اللحظة لا تكون الخسارة في الواقعة نفسها، بل في الأثر الذي تتركه داخل المجتمع.

فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة، وحين يثق المواطن في مؤسسات بلاده يصبح أكثر استعدادا ً لتحمل الصعوبات والمشاركة في البناء والدفاع عن الدولة في أوقات التحديات .. أما عندما تتراجع هذه الثقة، فإن الشائعات تجد طريقها إلى العقول، ويتحول كل حدث إلى مادة للشك والتأويل، وتتسع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية، وكذلك البرلمان والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام الوطنية. فحماية هيبة الدولة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية منظومة متكاملة تعمل من أجل هدف واحد ؛؛؛ أن يبقى القانون هو المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع.

كما أن الرقابة البرلمانية لاينبغي النظر إليها باعتبارها مواجهة مع الحكومة، بل باعتبارها إحدى أدوات دعم الدولة وتعزيز الثقة في مؤسساتها .. فكل سؤال يُطرح في موضعه، وكل طلب إحاطة أو استجواب يهدف إلى كشف الحقيقة، وكل رقابة جادة تُمارس بشفافية، إنما تؤكد للمواطن أن مؤسسات الدولة تراجع أداءها بنفسها، وتصحح أخطاءها بنفسها، وتملك من الثقة ما يكفي لمواجهة أي خلل قبل أن يتحول إلى أزمة.

إن الدول القوية لا تخشى المحاسبة، بل تستند إليها. ولا تخشى الشفافية، بل تزداد قوة بها. فالمحاسبة ليست دليل ضعف، وإنما دليل ثقة في المؤسسات وقدرتها على حماية المجتمع وصيانة هيبة القانون.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين في دفاتر التشريع، ولا بحجم الشعارات التي تُرفع في المناسبات، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

إن هيبة الدولة الحقيقية تبدأ حين يطمئن المواطن إلى أن حقه لن يضيع، وأن العدالة لا تعرف إسما ً ولا منصبا ً ولا نفوذا ً، وأن القانون سيصل إلى الجميع بالقدر نفسه من الحزم والإنصاف .. فهيبة الدولة لا تُبنى بالخوف ؛؛ بل بالعدل، ولا تُصان بالاستثناءات ؛؛؛ بل بالمساواة.

ولا تستمر بالشعارات ؛؛؛ بل حين يخضع الجميع للقانون دون استثناء.

الاخبار العاجلة