
بقلم: جوزف الهاشم
حاربوا وتحاربوا ، قاتلوا وقتَلوا ، وقبل أن ينجلي غبار الحرب أعلنوا الإنتصار.
إنتصروا ، كلُّهم إنتصروا … إنتصرَ كلُّهمْ على كلِّهمْ …
ولأنّ الإنتصار في المفهوم العسكري : هو أنّ ما حقّقتْـهُ الحرب ، أصبح أفضل مما كان قبلها .
فهذا يعني : أن غـزّة أصبحت جنَّـةً تجري من تحتها الأنهار ، وأن لبنان أصبح فعلاً : ” قطعة سما ” ، وحدِّثْ عن جنائن الدنيا السبع في : سوريا والعراق واليمن.
واسمع أصداء الصنوج وزمامير الأبواق ، تصدَحُ بمزامير الإنتصار في سماوات الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر ، والمرشد الأعلى .
هذه هي المـرة الأولى في التاريخ ، تخوض جيوش عديدة حرباً ضارِيَـة ، وكلُّ الذين اشتركوا فيها منتصرون ، وليس هناك منهزم واحد .
بلى … هناك منهزم أكبر ، شهيدٌ أكبر ، محطَّمٌ مدمَّر ، مشرّدٌ في سراديب الموتـى : شبابٌ التهمَتْهُ الحرب ، عائلات بلا ربّ ، أيتامٌ بلا أب ، أمهات ثكالى زوجات أرامل ، وقرى مشطوبة من الجغرافيا ، وجغرافيا مشطوبة من التاريخ ، ملوكٌ تبني العروش على الجماجم والشعب يموتُ ليحيا الملك .
هل تؤمنون بملائكة السلام في عالم الشياطين ، حيث القيمُ الإنسانية والقوانين الدولية تنتحر على أبواب مجلس الأمن ، ولا وازع ” لا بالسلطان ولا بالقرآن …؟”
تعالوا نقرأ في لغة صنَّاع السلام وهم يطلقون الرشقات السياسية إلى حيث تتساقط شظاياها الطائشة .
هذا مثلاً الرئيس الأميركي ترامب : يطلب من سوريا أن تنقضّ على حزب الله في لبنان ويطلب في المقابل تجريد حزب الله من السلاح .
ألا يعني هذا ، أنه يحرّض حزب الله على التمسُّك بسلاحه ما دام مهدَّداً من سوريا وإسرائيل معاً ..؟
وعندما يعلن السيد ترامب أن الإتفاق جعل إيران تخضع لاستسلام غير مشروط ، ثم يهدّد بنهاية إيران ، وعدم عودة الوفد الإيراني من سويسرا إلى بلاده.
أفلا يعني هذا ، أنه يعرّي قادة إيران من هيبتهم أمام الإيرانيين بأنهم خضعوا للإستسلام ، وأنهم مضطرون للإنصياع تحت طائلة الإغتيال ، كأنه يحرّضهم بالتالي على التملّص من الإتفاق ..؟
في المقابل :
لست أدري : ما هي الحكمة والفائدة التي يتوخَّاها القادة الإيرانيون ، من الإصرار على التكرار بأن حزب الله اللبناني فصيلٌ من الحرس الثوري الإيراني في لبنان .
ما هي الغاية ممّـا أعلنه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف : “بأن هناك أربعة آلاف شهيد في لبنان سقطوا دفاعاً عن إيران ..”
ألا يعني هذا ، تحريض عدد كبير من اللبنانيين ضـدّ حزب الله الذي يضحي بدماء اللبنانيين ومصلحة لبنان المصيرية من أجل مصلحة إيران الدفاعية ..؟
ألا يسقط مع هذا العبارة الشعار الجهادي الذي تبنّاه حزب الله وهو :
” الدفاع عن الأرض والشعب والسيادة والشرف …؟”
ثمَّ ، ألا يؤكّد قول قاليباف صحّـة ما تروّجه إسرائيل : بأنّها لا تحارب لبنان في لبنان ، بل تحارب قاعدة عسكرية إيرانية في لبنان .؟
واستطراداً ، من قال : إنّ من بين الأربعة آلاف شهيد في لبنان كان هناك من يريد أن يموت دفاعاً عن إيران …؟
تأملوا مثلاً : كيف تتلاعب بنا القوى الإقليمية والدولية ، تستخفّ بعقولنا وتحتقر ذكاءنا ، وتحتكر دماءَنا ، كأننا لا علاقة لنا بنسل ابراهيم ، فلا تردعنا يـدُ الله عن تقديم أبنائنا ذبائح على المذابح .
المشكلة المتوارثة عندنا ، هي مشكلة قيادة ، مشكلة رجال ، مشكلة الإنبطاح الخسيس نحو الكراسي ، فإذا هناك ازدواجية بين القصر والقيادات ، وبين القصر والوصايات ، وبين القصر والصِهْر .
في إطار السعي إلى تخطّي هذا النوع من التزاوج والتجاوز ، نرجو أن يكون الصِهُر زوجُ الإخت أفضلَ من الصِهْر زوجِ البنْت .
ما دمنا نعيش في ظل حرب الإسناد ، وفي ظلّ الصِهْر الذي هو سنَدُ الظهر .
*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.
