مأزق المنتصرين.. حين يكون الجميع منتصرا ً ومهزوما ً في آنٍ واحد

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

في الحروب، قد يكون الوصول إلى النصر أصعب من تحقيقه. فالمعارك تنتهي يوم تتوقف المدافع، أما معركة السلام فلا تبدأ إلا بعد أن يقتنع كل طرف بأنه ربح بما يكفي ليبرر لجمهوره سبب التوقف.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات تعقيدا ً في السياسة الدولية؛ إذ قد يتحول إعلان النصر من هدفٍ للحرب إلى عقبةٍ أمام إنهائها .. فما إن تُبنى الرواية السياسية والإعلامية على أن الدولة حققت انتصارا ً تاريخيا ً، حتى يصبح أي تنازل لاحق، مهما كان محدودا ً، قابلا ً لأن يُفسَّر باعتباره تراجعا ً عن ذلك الانتصار .. وهكذا يجد صانع القرار نفسه أسيرا ً للرواية التي صنعها بنفسه.
ولهذا، فإن كثيرا ً من الأزمات لا تستمر لأن الحلول غير موجودة، وإنما لأن الجميع أعلن النصر قبل الوصول إلى التسوية .. فكل طرف يصبح مطالبا ً بالحفاظ على صورة المنتصر أمام شعبه وحلفائه، حتى لو كان يدرك في قرارة نفسه أن استمرار الصراع يحقق خسائر أكبر من أي مكسب محتمل.
إن الجماهير تتقبل التضحيات أثناء الحرب لأنها تؤمن بأن النهاية ستكون انتصارا ً واضحا ً. لكن عندما يُعلن هذا الانتصار رسميا ً، يتحول إلى جزء من الوعي الجمعي، ويصبح التراجع عن أي من شعاراته أو أهدافه ثمنا ًسياسيا ًبالغ الكلفة.
ومن هنا تنشأ المعضلة الحقيقية ؛ فالتسويات بطبيعتها تقوم على التنازلات المتبادلة، بينما رواية النصر لا تعترف إلا بالمكاسب الكاملة.
ولهذا السبب، كثيرا ً ما نجد أن المفاوضات الأصعب ليست تلك التي تُعقد أثناء الحرب، بل التي تبدأ بعدها .. ففي تلك المرحلة لا يكون التحدي عسكريا ً، وإنما نفسيا ً وسياسيا ً وإعلاميا ً، إذ يصبح السؤال:
كيف يمكن الانتقال من خطاب الحشد والتعبئة إلى خطاب الواقعية والتسوية، دون أن يشعر الرأي العام بأن ما تحقق قد ضاع؟
والتاريخ يقدم أمثلة عديدة تؤكد هذه الحقيقة، فقد شهد العالم حروبا ً انتهت عسكريا ً، لكنها استمرت سياسيا ً سنوات طويلة، لأن كل طرف ظل متمسكا ً بصورة المنتصر التي رسمها لنفسه. ولم يكن الخلاف دائما ً حول الأرض أو السلاح، بل حول كيفية تفسير ما حدث، ومن يملك حق إعلان النهاية، ومن يحتفظ بلقب المنتصر.

وهنا تتجلى إحدى أهم قواعد إدارة الأزمات؛ فالقائد الناجح لا يكتفي بتحقيق المكاسب، بل يهيئ شعبه أيضا ً لتقبل التسوية عندما تصبح هي الخيار الأكثر حكمة .. أما إذا ارتفع سقف الخطاب إلى درجة لا تسمح إلا بالنصر المطلق، فإن مساحة الحركة تضيق، ويتحول النجاح العسكري نفسه إلى قيدٍ سياسي.
ومن ثم؛ فإن السلام لا يحتاج فقط إلى اتفاق بين الخصوم، بل يحتاج أيضا ً إلى رواية جديدة يستطيع كل طرف أن يقدمها لشعبه دون أن يبدو مهزوما ً. ولهذا كثيرا ً ما تُصاغ الاتفاقات الكبرى بلغة مرنة تسمح لكل طرف بأن يرى فيها جانبا ً من الانتصار، حتى وإن كانت في حقيقتها تسوية متوازنة فرضتها حسابات الواقع.
ولعل هذا هو الدرس الذي يتكرر في أزمات العالم المختلفة، شرقا ً وغربا ً؛ فالحروب لا تنتهي عندما يقتنع القادة بأن القتال لم يعد مجديا ً، وإنما عندما يجدون صيغة تحفظ لهم القدرة على الانتقال من النصر المعلن إلى السلام الممكن.
وهكذا ؛ قد تبدو المفارقة غريبة للوهلة الأولى، لكنها من أكثر حقائق السياسة ثباتا ً: ليس كل انتصار يفتح باب السلام، بل قد يكون إعلان النصر أحيانا ً هو الباب الذي يُغلقه .. ومن يدرك هذه الحقيقة، يدرك أن الحكمة السياسية لا تُقاس فقط بقدرة الدول على كسب المعارك، وإنما بقدرتها على تحويل مكاسب الحرب إلى سلام ٍ مستقر، قبل أن يتحول النصر نفسه إلى مأزق جديد.

الاخبار العاجلة