مقاومةٌ لقَتْـلِ القَتْـل

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
جوزف الهاشم
جوزف الهاشم

بقلم: جوزف الهاشم

المقاومة الوطنية في القانون الدولي ، هي مقاومةٌ لاحتلالِ عـدوٍّ تنتهي بانسحابِـه .
والمقاومةُ العقائدية الجهاديّةُ الدينية ضـدَّ العدو الإسرائيلي لا تنتهي بانسحابه، بل يرتبط وجودُها بوجوده ، ولا تزول إلاّ بزوالهِ من الوجود .
أيَّ مقاومةٍ إذاً ، يجب أنْ نعتمدُ نحن ..؟
هلْ مِـنْ أجل هذا الجهاد الوجودي ترفض المقاومةُ المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي لأنْ العداءَ معه مرتبطٌ بوجوده ، ولأن التفاوض معه يشترط نـزع سلاحها …؟
وهل من أجل ذلك تصرُّ المقاومة على مذكرة التفاهم الأميركية ــ الإيرانية على اعتبار ، أنّ إيران النووية وإيران المضيق ، من شأنها أن تضيّقَ الشروط الأميركية لجهة تجريد المقاومة من السلاح …؟
ولكن ، مذكرة التفاهم الأميركية ــ الإيرانية ، هي مذكرة تحارُب لا مذكرة تفاهم ، مذكرة ثـأرٍ ومذكرة جلْب ، حين انطلقت الهتافات خلال جنازة المرشد الأعلى تطالب بالثأرِ لَـهُ من الشيطان الأكبر .
لقد صدَق حدْسُ السيد الشهيد حسن نصرالله حين قال :
“من ينتظر تسويةً أميركية ــ إيرانية سينتظر مئـةَ عام …”(1)
وهل هذا يعني أننا سننتظر مئـةَ عـامٍ أيضاً لإِيجادِ حـلٍّ لسلاح المقاومة في لبنان ، حين لا تُحلُّ مشكلة السلاح بالسلاح ولا بالمفاوضات …؟
وهل هذا يعني أن سلاح المقاومة يحتاج إلى مرسوم تجنّس لبناني ، لأنه يحمل جنسية أخرى تمنحـه قرار الحرب والسلم ، على ما يُعبّر عنه الشيخ نعيم قاسم في كتابه : “حزب الله ــ المنهج والتجربة والمستقبل”ــ صفحة (74) فيقول :
“نحنُ لا نتّخذُ قرار الحرب والسلم بأنفسنا بل نعود فيه إلى الوليّ الفقيه الذي يحدّد متى تكون المواجهة واجباً شرعياً .”
ومن هذا القول ينطلق البُعد الإستشهادي في المعادلة : “إذا انتصرنا انتصرنا، وإذا استشهدنا انتصرنا”، ويتلاقى مع قول هوميروس في ملحمة الإلياذة : ” إنّ الإنسان بعد الموت يصبحُ إلهاً ” .
على أنَّ ، نظرية العقل العسكري وحتى هناك نظريةٌ في الفقـه الديني ترى : أنّ خسائر الحرب عندما تكون أغلى من مكاسبها يصبح الإستمرار فيها نوعاً من الإنتحار .
سأظلّ أستشهد بالإمام موسى الصدر ، بفكره السياسي النيِّـر ، وعقيدتهِ الوطنية السامية حتى يسمع الذين لهم آذانٌ تستمع .
يرى الإمام : “أنّ المعركة مع إسرائيل ليست محصورة في الجانب العسكري ويستشهد بتصريحٍ لـ “بن غوريون” يقول فيه نجاحنا في تأسيس دولة إسرائيل كان بنسبة 96 % سياسياً و % 4 عسكريّاً …”(2)
وفي العريق من التاريخ الشيعي : أنّ الأئّمـة الإمامية من أبناء الحسين بعد مذبحة كربلاء إنصرفوا إلى مراجعة وقائع الأحداث وانطلقوا في مهمة التوعية والإرشاد لعلمهِم أنّ السياسة هيَ نتيجة التخلُّق بأخلاق الدين .
وإلإمام الحسن اضطر إلى عقد معاهدة صلح مع معاوية حين أصبح الخلل شاسعاً في ميزان القوى نتيجة ضعف جيش الحسن بعد معركة صفّين والنهروان .
وقال لهم : “ما أردت الصلح مع معاوية إلاّ لأن أدفع عنكم القتل .”
ثمانٍ وسبعون سنة ، إحسبوها : إي منذ نكبة فلسطين سنة 1948 ، والمنطقة تعيش مجازر نزاع دموي وتخلّفاً في مواكبة حضارة التاريخ .
ولبنان سيظل معرَّضاً لآلـة الموت ، إلاّ إذا شُكِّلتْ فيه مقاومةٌ من نوع آخر مهمّتها : قتْل القتل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ من خطاب السيد حسن نصرالله ، في يوم الجريح : 6 آذار 2023 .
2 ــ من كتاب الإمام موسى الصدر : حوارات صحافية ص . 199 .

*كاتب المقال: وزير لبناني سابق.

الاخبار العاجلة