تتجه أسعار النفط إلى البقاء عند مستويات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مع توقع بنك «جولدمان ساكس» استمرار تداول خام برنت بين 80 و90 دولاراً للبرميل، في ظل استمرار الغموض بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال عودة التصعيد العسكري بما قد يهدد إمدادات الخام من الشرق الأوسط.
ويرى البنك أن السعر العادل لخام برنت يبلغ نحو 80 دولاراً للبرميل، ما يعني أن الأسعار الحالية تتضمن علاوة مخاطر محدودة، رغم استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بتدفقات النفط من المنطقة.
ويتداول برنت قرب 85 دولاراً للبرميل، في وقت تتضارب فيه التصريحات الأميركية والإيرانية بشأن وجود محادثات لإنهاء الحرب المستمرة منذ خمسة أشهر، بينما تترقب الأسواق أي تطور قد يحدد اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
المخزونات تنخفض.. والأسواق تبحث عن الأمان
وبحسب «جولدمان ساكس»، انخفضت المخزونات النفطية العالمية المرئية بنحو 6.3 ملايين برميل يومياً خلال الأسبوعين الماضيين، نتيجة تراجع الإمدادات القادمة من الخليج والبحر الأحمر، وانخفاض الصادرات الروسية، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الآسيوي، ولا سيما في الصين.
ويكشف هذا التراجع أن تأثير الحرب لا يرتبط فقط بما إذا كانت الضربات العسكرية ستستأنف أم لا، وإنما يمتد إلى السوق الفعلية للنفط؛ فكل انخفاض في التدفقات أو الصادرات يعني تقلص الكميات المتاحة أمام المشترين، ويجعل الأسعار أكثر حساسية لأي اضطراب جديد.
الخليج يفقد جزءاً كبيراً من صادراته
وقدر البنك صادرات النفط الخليجية بنحو 36% فقط من مستويات ما قبل الحرب، بعدما كانت عند نحو 80% في بداية يوليو، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أصاب تدفقات الخام منذ اندلاع المواجهة.
وتزامن ذلك مع انخفاض الطاقة الاستيعابية لناقلات النفط المحملة في البحر الأحمر بنسبة 22% منذ إعلان جماعة الحوثيين فرض حصار على الممرات البحرية، وهو ما يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى حركة تجارة النفط العالمية.
وفي السعودية، تراجعت صادرات النفط بنحو 2.4 مليون برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق تقديرات البنك، فيما جرى توجيه جزء أكبر من الشحنات عبر خط أنابيب «سوميد» في مصر، في محاولة للحد من تأثير الاضطرابات التي تشهدها طرق الملاحة في البحر الأحمر.
روسيا تضيف ضغطاً جديداً على المعروض
ولا يقتصر شح الإمدادات على الشرق الأوسط؛ إذ أشار «جولدمان ساكس» إلى انخفاض صادرات النفط الخام والمكثفات الروسية بنحو 1.3 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الماضيين.
ويربط البنك هذا التراجع باستمرار تعطل عمليات الشحن عبر محطة «اتحاد خط أنابيب بحر قزوين» على البحر الأسود، ما يضيف كميات أقل إلى السوق العالمية في وقت تعاني فيه الإمدادات الخليجية أصلًا اضطرابات واسعة.
وتعني هذه الصورة أن سوق النفط تواجه ضغوطاً من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه: إمدادات الخليج، واضطرابات البحر الأحمر، وتراجع الشحنات الروسية، مقابل طلب آسيوي مرتفع.
هرمز يرسم سقف المخاطر
ورغم انخفاض أسعار النفط من مستوياتها الأعلى بعد تأجيل الولايات المتحدة تنفيذ هجمات جديدة على إيران، وظهور مؤشرات على تقدم في المحادثات المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، فإن البنك يرى أن السوق الفعلية لا تزال تعاني نقصاً في المعروض.
وهنا يظهر مضيق هرمز باعتباره العامل الأكثر حساسية في معادلة الأسعار؛ فاستمرار حركة الملاحة يحد من علاوة المخاطر، بينما قد يؤدي أي تصعيد عسكري يعطل الإمدادات إلى دفع الأسعار سريعاً نحو مستويات أعلى.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو أن سوق النفط تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها اختباراً مستمراً لقدرة المنتجين والناقلات وخطوط التصدير على إبقاء الخام متاحاً للمشترين.
فاتورة الحرب لم تحسم بعد
ويضع «جولدمان ساكس» السوق أمام مسارين واضحين: بقاء برنت في نطاق 80 إلى 90 دولاراً إذا استمر الغموض من دون اضطراب كبير في الإمدادات، أو ارتفاع الأسعار بصورة أكبر إذا تحولت المواجهة إلى تصعيد يضرب تدفقات النفط فعلياً.
وبذلك، فإن فاتورة الحرب النفطية لا تقاس فقط بسعر البرميل اليوم، وإنما بحجم البراميل التي اختفت من السوق وبالطرق التي بات على المنتجين استخدامها لإيصال ما تبقى منها.
وكلما طال أمد الاضطراب في الخليج والبحر الأحمر، أصبح هامش الأمان في سوق النفط أضيق، وأصبحت أي ضربة جديدة قادرة على تحويل علاوة المخاطر المحدودة إلى قفزة سعرية أكبر.














