السلاح مقابل الانسحاب.. هل دخل لبنان زمن المقايضة؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
بسام فقيه
بسام فقيه

بقلم: بسام فقيه

لم يكن كلام السفير الأميركي في لبنان، اليوم، مجرد تأكيد جديد للموقف الأميركي من سلاح «حزب الله». فبين الكلمات التي قيلت، وما تعمّد السفير عدم قوله، برزت معادلة تستحق التوقف عندها: السلاح في مقابل انسحاب إسرائيل، والانسحاب في مقابل قدرة الدولة اللبنانية على فرض واقع جديد في الجنوب.

الأكثر دلالة كان ربط السفير، بصورة مباشرة، بين تسليم الحزب سلاحه وبين قدرة الولايات المتحدة على مطالبة إسرائيل بالانسحاب. وحين سُئل عما إذا كان عدم تسليم السلاح يعني جولة جديدة من الحرب، لم يقل «نعم»، لكنه لم يقل «لا» أيضاً. اكتفى بأن أعاد السؤال إلى الصحافي، ثم قال له: «إنت جاوبت».

قد تبدو العبارة عابرة، لكنها سياسياً ليست كذلك. فالدبلوماسي الأميركي كان يستطيع أن ينفي احتمال الحرب أو أن يؤكد أن المسار الدبلوماسي لا يزال مفتوحاً. لكنه اختار أن يترك الاستنتاج معلقاً، في رسالة يمكن فهمها على أنها ضغط سياسي ورسالة ردع في الوقت نفسه: إذا لم يحصل تقدم في ملف السلاح، فإن خطر التصعيد لن يختفي.

الأهم أن السفير لم يتحدث عن سلاح الحزب باعتباره قضية لبنانية داخلية فحسب. حين قال إن «حزب الله» لا يأخذ أوامره إلا من إيران، كان يضع الملف في سياق أوسع بكثير من حدود لبنان. وهذا يعني أن واشنطن تتعامل مع السلاح باعتباره جزءاً من شبكة إقليمية، وأن أي تسوية لبنانية ستبقى، من وجهة نظرها، مرتبطة بالموقف الإيراني وبالمفاوضات الأوسع في المنطقة.

لكن هل نحن أمام مقايضة واضحة: يسلّم حزب الله سلاحه مقابل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان؟

حتى الآن، من المبكر التعامل مع الأمر كأنه صفقة مكتملة. إلا أن من الصعب أيضاً تجاهل أن جوهر التفاوض يدور حول هذه المعادلة تحديداً. فإسرائيل تريد ضمانات مرتبطة بالسلاح والانتشار العسكري قبل أن تنسحب، بينما يرى الجانب اللبناني أن استمرار الاحتلال والاعتداءات يجعل أي حديث عن نزع السلاح منفصلاً عن الانسحاب أمراً بالغ الصعوبة.

وهنا تكمن العقدة.

كل طرف يريد من الآخر أن يبدأ أولاً.

إسرائيل تقول عملياً: لا انسحاب من دون معالجة السلاح.

وحزب الله يقول عملياً: لا تسليم للسلاح في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات.

أما واشنطن، فتبدو وكأنها تحاول بناء صيغة ثالثة: خطوات متزامنة أو متدرجة، بحيث لا يُطلب من طرف أن يقدم كل أوراقه دفعة واحدة. أي أن يكون هناك تقدم في ملف السلاح يقابله تقدم إسرائيلي في الانسحاب، مع دور أساسي للجيش اللبناني والدولة في تثبيت الترتيبات الجديدة.

وهذا هو المعنى الأهم في كلام السفير.

فالمطلوب الأميركي لا يبدو مجرد «تسليم سلاح» بمعناه التقني، بل إعادة تشكيل المعادلة الأمنية في الجنوب: الجيش هو القوة الشرعية الوحيدة، والسلاح خارج الدولة ينتهي، وإسرائيل تنسحب، والدولة اللبنانية تصبح الطرف المسؤول عن الأمن والسيادة.

لكن السؤال الأصعب يبقى: من يضمن أن تلتزم إسرائيل بالانسحاب إذا بدأ الحزب بتسليم سلاحه؟ ومن يضمن في المقابل أن يلتزم الحزب بما هو مطلوب منه إذا انسحبت إسرائيل؟

هذه هي النقطة التي تحتاج إلى ضمانات حقيقية، لا إلى وعود سياسية.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على الحديث عن آليات تنفيذ ومراقبة وتدرج في الخطوات. فالمشكلة لم تعد في إعلان المبادئ فقط، بل في كيفية تنفيذها ومن يراقبها وماذا يحدث إذا أخل أحد الأطراف بالتزاماته.

أما احتمال الحرب، فلا ينبغي التعامل معه بخفة.

عبارة «إنت جاوبت» لا تعني حكماً أن قرار الحرب قد اتُخذ، لكنها تعكس مستوى القلق الأميركي من أن يؤدي استمرار الجمود إلى مسار تصعيدي جديد. وفي ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، وغياب تسوية نهائية، وعدم حسم ملف السلاح، فإن الجنوب يبقى في منطقة شديدة الخطورة بين التفاوض والحرب.

واللافت أيضاً أن السفير قال إن الولايات المتحدة تبلغ إسرائيل بأن ضرباتها على لبنان «مش مزبوطة». هذه الإشارة مهمة، لأنها تؤكد أن واشنطن لا تمنح إسرائيل تفويضاً مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه تربط قدرتها على الضغط على إسرائيل بمدى استعداد الجانب اللبناني، وتحديداً حزب الله، للذهاب إلى نهاية المسار المتعلق بالسلاح.

وهنا تحديداً تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

فإذا كانت واشنطن تقول للبنان: سلّموا السلاح كي نستطيع الضغط على إسرائيل للانسحاب، وإذا كانت إسرائيل تقول: لن ننسحب ما لم يُحسم ملف السلاح، فإن لبنان يجد نفسه أمام معادلة خطرة جداً: مستقبل الجنوب لم يعد مرتبطاً فقط بقرار لبناني داخلي، بل بتوازن بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وحزب الله.

والأخطر أن السفير وضع إيران في قلب هذه المعادلة.

وهذا يعني أن أي تسوية لن تكون سهلة، لأن السؤال لن يكون فقط: ماذا يريد لبنان؟ بل أيضاً: ماذا تريد إيران من سلاح حزب الله؟ وهل تقبل أن يتحول هذا السلاح من عنصر قوة إقليمي إلى ورقة تفاوضية ضمن تسوية لبنانية؟

لذلك، ربما لا نكون أمام «مقايضة» مكتملة بعد، لكننا بالتأكيد أمام محاولة لبناء مقايضة.

سلاح مقابل انسحاب.

وانسحاب مقابل ضمانات.

وضمانات مقابل انتقال القرار الأمني والعسكري إلى الدولة اللبنانية.

أما إذا فشل هذا المسار، فإن عبارة السفير «إنت جاوبت» قد تتحول من جملة عابرة في لقاء مع الصحافيين إلى توصيف أكثر جدية للمسار الذي ينتظر الجنوب.

المطلوب اليوم ألا يُدفع لبنان إلى الاختيار بين السلاح والحرب، بل إلى صيغة تحمي سيادته وتوقف الاعتداءات وتعيد الجنوب إلى كنف الدولة، من دون أن يتحول الانسحاب الإسرائيلي إلى وعد مؤجل، أو يصبح سلاح الحزب ذريعة لاستمرار الاحتلال.

فالجنوب لا يحتمل جولة جديدة، ولبنان لا يحتمل أن يبقى عالقاً بين سلاح لم يُحسم مصيره، واحتلال لم يُحسم انسحابه، وحرب يمكن أن تبدأ من جديد في أي لحظة.

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة