رحلة الإنسان في الحياة.. ما بين الاختيار والقدر

منذ 46 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

هل يكون عدم امتلاك الإنسان للنتائج كلها قيدا ً على حريته… أم رحمة ً به؟
ظل سؤال الاختيار والقدر يشغلني قرابة عامين:
هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟
كلما ملت إلى أنه مخيَّر، وجدت أمامي أشياء كثيرة في حياته لم يكن له فيها اختيار؛ لم يختر أبويه، ولا وطنه، ولا زمن مولده، ولا البيئة التي نشأ فيها، ولا كثيرا ً من الظروف والقدرات التي بدأت معها رحلته .. وكلما ملت إلى أنه مسيَّر، وجدت أمامي عقله وإرادته وما يتخذه من قرارات، ثم وجدت السؤال الأصعب:
إذا لم يكن للإنسان اختيار فيما يفعل، فأين تكون مسؤوليته عن أفعاله؟ وكيف نفهم التكليف والثواب والعقاب وتفاوت الدرجات؟
وظللت أبحث عن إجابة ترجح إحداهما على الأخرى، حتى أدركت أنني ربما كنت أضع السؤال نفسه في غير موضعه، وأن «مخيَّر» و«مسيَّر» ليسا بالضرورة طريقين لا بد أن نختار أحدهما وننفي الآخر.
وهنا استقرت في نفسي معادلة أخرجتني من صراع أيهما :
” أن الإنسان، في قناعتي، مخيَّر فيما سُيِّر إليه”.
فهو لم يختر نقطة البداية التي وُضع فيها ولا كثيرا ً مما سيقابله في الطريق، لكنه يملك داخل ما أتيح له وفي حدود استطاعته أن يفكر ويختار ويسعى .. وهو لا يختار كل ما يحدث له، لكنه يملك في كثير من الأحيان أن يختار كيف يتعامل معه ولا يملك النتائج كلها، لكنه يملك السعي إليها.
ومن هنا فرض سؤال آخر نفسه: إذا كان الله قد جعل للإنسان مساحة من الاختيار والسعي، فلماذا لم يجعل له السيطرة الكاملة على النتائج أيضا ً؟
ربما تبدأ الإجابة من حقيقة أن الإنسان لا يملك كل العناصر التي تصنع تلك النتائج .. فهو يتحرك داخل واقع سبق وجوده، ويتعامل مع ظروف وأشخاص وأحداث لم يختر معظمها، فقد يبذل اثنان جهدا ً متقاربا ً، ثم تختلف النتيجة لأن ما أحاط بسعي كل منهما لم يكن واحدا ً.
وهنا يبدو لي أن عدم امتلاك الإنسان للنتائج كلها ليس انتقاصا ً من اختياره، بقدر ما يكشف حدود هذا الاختيار. فالاختيار يقع فيما يستطيع، أما ما يتجاوز استطاعته فلا يمكن أن تكون مسؤوليته عنه كمسؤوليته عما كان في يديه.
ولعل هذا المعنى يدعونا إلى التأمل في قوله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
فالآية تجمع بين «الوسع» و«الكسب»؛ بين حدود الاستطاعة وما يُنسب إلى الإنسان من عمل.
فالبشر لا يتساوون في البدايات ولا الظروف ولا الفرص ولا القدرات، ولذلك لا يصح أن نجعل النتيجة الدنيوية وحدها مقياسا ً لقيمة الإنسان أو حقيقة سعيه.
ثم يأتي قوله تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ۝ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾.
وتستوقفني هنا كلمة «سعى» تحديدا ً ؛ فالسعي هو ما نُسب إلى الإنسان في الآيات، ثم جاء بعده الجزاء، بينما تعلمنا الحياة أن السعي لا يضمن دائما ً النتيجة الدنيوية التي أرادها صاحبه. ومن هنا لا يكون النجاح وحده دليلا ً على قيمة السعي، كما لا يكون الإخفاق وحده دليلا ً على التقصير.
وفي هذا أرى وجها ً من وجوه العدل والرحمة معا ً: أن تكون للإنسان مساحة يختار ويسعى فيها فتقوم مسؤوليته، وألا يُحمَّل في الوقت نفسه تبعة ما خرج عن وسعه ولم يكن له عليه سلطان.
لكن وجود هذه المساحة من الاختيار لا يعني أن شيئا ً من أفعال الإنسان أو نتائج سعيه يقع خارج علم الله المسبق؛ فقد أحاط علمه سبحانه بما كان وما سيكون قبل وقوعه. يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

وعلم الله المسبق بما سيختاره الإنسان لا يعني إجباره على هذا الاختيار، كما أن اختيار الإنسان لا يجعل شيئا ً خافيا ً على علم الله. وربما كان التوقف عند هذا الحد أكثر حكمة من محاولة إخضاع سر القدر كله لقدرة العقل البشري على الفهم.

ثم تأتي الآية التالية لتبين أثر الإيمان بهذا المعنى في النفس: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
فالإنسان إذا بذل ما في وسعه ثم فاتته النتيجة، لا ينبغي أن يسحق نفسه حزنا ً على ما لم يكن كله في يديه، وإذا تحقق له ما أراد، فلا ينبغي أن يتوهم أنه صنع وحده كل الأسباب التي أوصلته إليه. فلا يهزمه ما فاته، ولا يغريه بما أتاه.

وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت منه:
هل يكون عدم امتلاك الإنسان للنتائج كلها قيدا ً على حريته… أم رحمة ً به؟
بعد هذه الرحلة من التفكير، أميل إلى أن أراه وجها ً من وجوه الرحمة والعدل معا ً؛ رحمة لأن الإنسان لم يُحمَّل السيطرة على عالم كامل من الأسباب والنتائج التي تتجاوز قدرته، وعدل لأن له مساحة من الاختيار والسعي يُنسب إليه فيها عمله وتقوم بها مسؤوليته.
وهنا فقط فهمت لماذا أراحتني تلك المعادلة بعد قرابة عامين من الدوران حول سؤال:
مخيَّر أم مسيَّر؟
الإنسان، في قناعتي، “مُخيَّر فيما سُيِّر إليه”.
يسعى فيما يستطيع، وتقوم مسؤوليته فيما كان له فيه اختيار وكسب، ويطمئن إلى أن ما تجاوز قدرته لم يتجاوز علم الله وقدره ورحمته.
وعندها خرجت من دائرة «أيهما؟»… لأنني أدركت أن القضية لم تكن في الاختيار بينهما، بقدر ما كانت في فهم المساحة التي يلتقيان فيها.

الاخبار العاجلة