
بقلم: مصطفى زكريا
حين يختلف اثنان، نبحث عادة عن ثالث يفصل بينهما .. خصمان أمام قاض ٍ ، ومتنازعان أمام حَكَم، ورأيان أمام مرجعية، وكفتان لا يستقيم الحكم بينهما بغير ميزان.
لكن ماذا يحدث عندما يكون الاختلاف داخل الإنسان نفسه؟
عندما يقول العقل: ابتعد، ويقول القلب: ابقَ، عندما يرى العقل الحقيقة واضحة، بينما يرفض القلب الاستجابة لها. أو يحدث العكس؛ فيشعر القلب بشيء لا يستطيع العقل بعد أن يجد له تفسيرا ً.
من يحكم بينهما؟
قد يبدو السؤال بسيطا ً، لكنه يأخذنا إلى واحدة من أكثر مناطق الإنسان تعقيدا ً ؛ فنحن نعرف أن قرارا ً يصدر في النهاية، وهذا يعني أن ترجيحا ً ما قد حدث، لكننا لا نستطيع بسهولة أن نشير إلى ذلك الذي أمسك بالميزان.
هل هي الإرادة؟
ربما !.. لكنها نفسها تتأثر بالرغبة والخوف والمصلحة والتجربة.
هل هو الضمير؟
قد يكون حاضرا ً بقوة حين يتعلق الأمر بالصواب والخطأ، لكن كثيرا ً من قراراتنا لا تكون أخلاقية في أصلها حتى يكون الضمير هو الحَكَم فيها.
هل هو الوعي؟ أم الذاكرة؟ أم الخبرة التي تراكمت داخلنا عبر السنين؟
كلها تشارك، لكن أيا ً منها منفرداً
لا يبدو قادرا ً على تفسير تلك اللحظة العجيبة التي يتحول فيها التردد إلى قرار.
والأمر أكثر تعقيدا ً من مجرد خصومة بين عقل وقلب. فالقرآن الكريم نفسه يقول: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾، وهي آية تجعلنا أكثر حذرا ً من الفصل الحاد بينهما، وأكثر تواضعا ً أمام محاولة تفسير الكيفية التي يعمل بها هذا التكوين الإنساني المدهش.
خذ الخوف مثلا ً ؛ قد يرى الإنسان خطرا ً فيرتعش جسده ويتسارع نبضه قبل أن يكتمل إدراكه الواعي لما حدث .. وفي موقف آخر؛ قد يفكر في خطر لم يقع بعد، فيستدعي التفكير خوفه وتظهر آثاره على جسده.
والأمر نفسه نراه في الحب والحزن والفرح ؛ أحيانا ً نشعر ثم نبحث عن تفسير، وأحيانا ً نفهم ثم يحتاج الشعور إلى وقت حتى يلحق بما أدركناه.
ولو كان ترتيب الوصول ثابتا ً لكانت الأمور أيسر؛ لكن ما يسبق في موقف قد يتأخر في آخر، وما يحكم اليوم قد لا يحكم غدا ً.
ثم نتخذ القرار، فنكتشف أن القضية لم تنتهِ.
فقد ينتصر حكم العقل ويبقى القلب حزينا ً، وقد ينتصر الميل العاطفي ثم يعود العقل ليحاكم القرار. وقد نندم اليوم على قرار نشكر أنفسنا عليه بعد سنوات، أو نرضى الآن عن اختيار نكتشف لاحقا ً أنه كان بداية خسارة.
فمن الذي يحاكم القرار بعد صدوره؟ ومن أين يأتي الرضا أو الندم؟ وهل الندم دليل على أن القرار كان خطأ، أم أنه مجرد استئناف للقضية من الطرف الذي خسر الجولة الأولى؟
كلما كشف العلم شيئا ً من آليات العقل والشعور، اكتشف الإنسان أن وراء ما عرفه مساحة لم يعرفها بعد؛ وكأن المعرفة، كلما اتسعت، لم تُلغِ حدودها، بل جعلتنا أكثر إدراكا ً لها. فنحن مأمورون بالتفكر والاجتهاد، لكننا لسنا موعودين بأن نحيط بكل أسرار الخلق.
وهنا يبقى احتمال لا أرى من الأمانة أن نتجاهله، كما لا أرى من الأمانة أن نحوله إلى حقيقة لا نملك دليلا ً عليها:
“الروح”
هل يمكن أن تكون الروح هي ذلك الطرف الثالث الذي نبحث عنه؟ هل لها نصيب في تلك اللحظة الغامضة التي يحدث فيها الترجيح بين ما ندركه وما نشعر به؟
لا أملك أن أقول نعم، ولا أملك أن أقول لا.
لن نخترع نظرية تقول إن الروح قاضٍ يجلس بين العقل والقلب، ولن نهرب منها لأن العلم لا يستطيع إخضاعها للقياس. فالأول ادعاء لعلم لا نملكه، والثاني استبعاد لما لا نملك حق استبعاده.
والقرآن الكريم نفسه يضع أمامنا الحد الذي ينبغي أن نقف عنده:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وربما يكون من أعمق معاني المعرفة أن يصل الإنسان، بعد طول البحث، لا إلى التوقف عن السؤال، وإنما إلى معرفة اللحظة التي يتحول فيها السؤال من طلب للعلم إلى ادعاء بالإحاطة.
فالتسليم ليس هزيمة للعقل، ولا دعوة إلى التوقف عن التفكير؛ بل قد يكون أرقى ما يصل إليه العقل حين يعرف حدود علمه، ويظل باحثا ً فيما يستطيع أن يعرفه، ثم يقف أمام ما لا يعرفه مدركا ً أن ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ﴾.
ويبقى السؤال مفتوحا ً:
من هو الطرف الثالث؟
رؤية كاتب المقال:
يفكر الإنسان بما أوتي من عقل، ويزن بما لديه من خبرة، ويختار بما يملك من إرادة، ثم يمضي متوكلا ً ؛ لأنه يملك قراره في حدود استطاعته، لكنه لا يملك كل ما سيترتب عليه. وهنا يصبح قوله تعالى:
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ليس انسحابا ً من مسؤولية الاختيار، وإنما إدراكا ً لحدودها.
