مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد في مصر، تجد أسر كثيرة نفسها أمام فاتورة تعليم متصاعدة، لا تقتصر على المصروفات المدرسية، بل تمتد إلى الكتب والزي المدرسي والدروس والنقل والأنشطة، في وقت تضغط فيه تكاليف المعيشة والتضخم على دخول الأسر. وبينما تحاول عائلات تدبير هذه الالتزامات عبر الأقساط أو «الجمعيات» أو الاقتراض، أصبح اختيار المدرسة بالنسبة إلى كثيرين قراراً مالياً لا يقل صعوبة عن كونه قراراً تعليمياً.
تستعد الأسر المصرية لاستقبال العام الدراسي الجديد وسط ضغوط متزايدة لتوفير تكاليف التعليم، في ظل تفاوت كبير بين المصروفات الدراسية من مدرسة إلى أخرى، وارتفاع الأعباء المصاحبة للعملية التعليمية.
وتروي تجارب أولياء الأمور حجم الضغوط التي تبدأ مع تسجيل الأبناء، ولا تنتهي عند سداد المصروفات؛ إذ تتداخل معها تكاليف الكتب والنقل والدروس الخصوصية والأنشطة، ما يدفع بعض الأسر إلى إعادة ترتيب ميزانياتها أو اللجوء إلى وسائل تمويل بديلة.
وتختبر المصرية يسرا إبراهيم، وهي في الثلاثينيات من عمرها، تجربة المصروفات الدراسية للمرة الأولى مع استعداد ابنتها الكبرى للالتحاق بالصف الأول الابتدائي في مدرسة خاصة للغات، تبلغ مصروفاتها السنوية 22 ألف جنيه، من بينها قسط أول بقيمة 13 ألف جنيه قبل بدء الدراسة.
ولمواجهة هذه الالتزامات، اضطر زوجها إلى السفر للعمل خارج مصر قبل عام من بدء الدراسة، في محاولة لتأمين تكاليف التعليم، التي تقول يسرا إنها لا تتوقف عند المصروفات، بل تشمل أيضاً الدروس والنقل وغيرها من الاحتياجات.
وتقول إن الأسرة كانت تتمنى إلحاق ابنتها بمدرسة دولية، لكن تكاليفها تفوق قدرتها المالية، حتى إن المصروفات الدراسية أثرت في خطط الأسرة للإنفاق على السفر والزيارات.
الجمعيات والقروض.. حلول مؤقتة للأسر
ولا تختلف حالة يسرا كثيراً عن أسر أخرى تحاول تدبير نفقات التعليم من خلال «الجمعيات» أو الاقتراض، خصوصاً مع وجود أكثر من طفل في مراحل التعليم المختلفة.
وتوضح ندى أحمد، وهي في العشرينيات، أنها حصلت أخيراً على أموال «جمعية» شاركت فيها مع أقارب وجيران لتوفير قسط مدرسة ابنها في المرحلة التمهيدية، والذي تبلغ مصروفاته نحو 20 ألف جنيه.
وتقول إن دخل أسرتها، الذي لا يتجاوز 15 ألف جنيه شهرياً، يجعل المصروفات عبئاً كبيراً، لا سيما مع استعداد طفلها الثاني للالتحاق بالتعليم خلال عامين.
وتضيف أن الإنفاق على التعليم خلال العام الدراسي يأتي على حساب أنشطة أخرى للأسرة، مثل ممارسة الأطفال الرياضة والخروج في نزهات، قائلة إن «كل المصاريف موجهة للتعليم».
تفاوت كبير بين أنواع المدارس
وتتوزع منظومة التعليم في مصر بين مدارس حكومية ذات مصروفات منخفضة، ومدارس حكومية تجريبية تقدم تعليماً باللغة الإنجليزية، ومدارس خاصة «ناشونال»، وصولاً إلى المدارس الدولية التي ترتفع مصروفاتها بصورة كبيرة.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، يبلغ متوسط مصروفات المدارس الحكومية التجريبية نحو 2000 جنيه سنوياً، بينما يصل المتوسط في المدارس التجريبية المتميزة إلى نحو 3500 جنيه، في حين تدور مصروفات المدارس الخاصة «الناشونال» حول 20 ألف جنيه سنوياً في المتوسط، مع ارتفاعها إلى أضعاف ذلك في المدارس الدولية.
وتضم مصر أكثر من 62.5 ألف مدرسة، بينها نحو 10 آلاف مدرسة خاصة، وفق إحصائية رسمية للعام الماضي.
المصروفات لا تنتهي عند باب المدرسة
وتشير شكاوى أولياء الأمور إلى أن المصروفات الدراسية تمثل جزءاً من التكلفة الإجمالية للتعليم، إذ تضاف إليها أسعار الكتب والزي المدرسي والمواصلات والدروس الخصوصية.
وتقول فاتن أحمد، أدمن إحدى مجموعات النقاش المجتمعي، إن شكاوى الأسر تتزايد مع اقتراب العام الدراسي، خصوصاً بشأن أساليب سداد المصروفات وارتفاع أسعار بعض الخدمات والكتب، مطالبة بإتاحة تقسيط المصروفات على دفعتين أو ثلاث لمساعدة الأسر على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه الحد الأدنى للأجور في مصر 8 آلاف جنيه، بينما ارتفع معدل التضخم إلى نحو 15% في يوليو الماضي، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
التعليم الخاص بين الجودة والوجاهة الاجتماعية
ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن التوسع في التعليم الخاص لم يعد مقتصراً على الأسر الأعلى دخلاً، بل باتت أسر متوسطة ومحدودة الدخل تحاول تحمل تكلفته، باعتبار التعليم استثماراً أساسياً في مستقبل الأبناء.
في المقابل، ينتقد الخبير التربوي عاصم حجازي إصرار بعض الأسر على التعليم الخاص رغم عدم قدرتها على تحمل تكلفته، مشيراً إلى أن بعض المدارس توفر خدمات لوجستية أفضل، لكنها أصبحت في بعض الحالات مرتبطة بالوجاهة الاجتماعية.
ويقترح حجازي تصنيف المدارس الخاصة إلى فئات وربط كل فئة بمستويات محددة للمصروفات، بما يعزز المنافسة ويحد من الزيادات العشوائية.
الحكومة أمام تحدي ضبط المصروفات
ومع تصاعد شكاوى الأسر، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بتكثيف إقامة المعارض الخاصة ببيع المستلزمات الدراسية بأسعار مناسبة، إلى جانب تعزيز حوكمة المصروفات المدرسية بما يخفف الأعباء المالية عن الطلاب وأولياء الأمور.
ويبدأ العام الدراسي المقبل في 12 سبتمبر، مع تغييرات في مدة العام الدراسي، لتجد الأسر نفسها أمام موسم جديد من الالتزامات التعليمية، في وقت أصبحت فيه كلفة تعليم الأبناء بنداً رئيسياً يضغط على ميزانيات كثير من العائلات المصرية.













