في يدك الآن هاتف جميل وخارق له شاشة دقيقة وكاميرا قوية تلتقط أدق تفاصيلك وبطارية تصمد لمدة 48 ساعة وذاكرة تتسع لعالم بأكمله.
هاتف اليوم هو الجسر الذي يربطك بالعالم والدليل أنك تقرأ هذه السطور الآن.
لكن هل تعلم من صنع لك هذا الهاتف؟ أكيد انك تعلم، فأسماء الشركات معروفة وشعاراتها تملأ الشاشات والإعلانات.
ولكن هل سألت نفسك يوما كيف يصنع هذا الهاتف ومن الذي وفر المواد الخام؟ ومن حفر في أعماق الأرض ليستخرج المعادن التي تمنح هذا الجهاز ذكاءه؟
الإجابة لا توجد في المصانع الزجاجية بل في باطن الأرض
على عمق 30 مترا وفي ظلام المناجم أين تحفر مئات النساء بأيديهن العاريات عن “الكولتان” و”الكوبالت” اللذين ينبض بهما هاتفك.
وفي نفس اللحظة التي تمرر فيها إصبعك على الشاشة وقبل أن تطفئ الشاشة وتخلد إلى نوم هانئ، تذكر أن هناك من انطفأت الشمس في عينيها ثمناًط لراحتك.
وقبل أن تشحن سيارتك الكهربائية صباحا لتخرج إلى عملك، اعلم أن هناك من انهارت رئتاها من الغبار حتى يظل محرك مركبتك لامعا لا غبار عليه.
ما هذه المفارقة الصارخة التي نعيشها؟ هل الدول المتقدمة التي تتغنى بالتمكين الرقمي تعلم أن آلاف النساء يدفعن ثمن مستقبلها النظيف بدمائهن..

وهل بلغها أن هؤلاء النسوة اللاتي يوفرن المادة الخام لصناعة محركات السيارات الكهربائية وهياكل الطائرات وبطاريات الهواتف محرومات من ثورة تكنولوجيا لا تصلهن شبكات الاتصال التي يستخرجن معادنها ولا تعبر سماءهن الطائرات التي تغذيها بطارياتهن، كما لا تعرف طرقاتهن السيارات التي تمشي على بطاريات نسجت من عرقهن.
وكما وصفت نساء كولومبيا بأنهن نذير شؤم لمنعهن من دخول مناجم الزمرد والتعدين بسبب خرافات قديمة، يطلق بعض الرجال الوصف ذاته على النساء العاملات.
مع أنهن أثبتن جدارتهن في العمل وشجاعة نادرة، بالنزول إلى باطن الأرض بأدوات بدائية وفي مخاطر جسيمة لا منافسة على رزق ولكن بحثا عن لقمة عيش وتامين مستقبل كريم لأطفالهن.
وتفضح الأرقام هذا التناقض، فبحسب الإحصائيات، هناك 81% من نساء العالم يمتلكن هاتفا جوالا.
غير أن هذا الرقم ينهار في البلدان الفقيرة حيث تقل احتمالية امتلاك المرأة لهاتف بنسبة 7% إلى 9% مقارنة بالرجل.
ويذهب تقرير GSMA لعام 2026 إلى أبعد من ذلك ليؤكد أن 810 ملايين امرأة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل مازلن خارج نطاق الإنترنت تماما.
هل مازلت تقرأني؟ وتريد أن تعرف المزيد عن ظروف عمل المرأة في مناجم الكوبالت؟ المعروف أن دولة الكونغو هي البلد الذي يغذي العالم بهذه المادة الاولوية لصناعة التكنولوجيا.. أما رحلة العاملات فهي تبدأ قبل الفجر في مناجم كولويزي ولوبومباشي أين تنزل النساء إلى حفر ضيقة بلا خوذات وبأياد متشققة وأقدام حافية.
يحفرن بكل جهد وغبار الكوبالت السام يتسلل الى اجسادهن ويغسلن الحصى في أحواض ماء باردة لساعات وظهورهن منحنية تحت الشمس الحارقة.
وفي كل لحظة يتربص بهن الخطر سواء انهيار ترابي مفاجئ أو أدوات بدائية تجرحهن أو أجساد منهكة لا تجد حتى ماء نظيفا للشرب.
وأمام هذا التعب والمخاطرة يتقاضين اجرا زهيدا يتراوح ما بين دولارين و8 دولارات في اليوم فقط.
وهو أجر لا يكفي لشراء علبة دواء أو وجبة طعام لأطفالهن، في حين يسيطر الرجال على بوابات البيع ويحددون السعر للوسطاء.

والأقسى من كل ذلك هو الخطر الصحي ، ففي غياب أدنى وسائل الحماية يتحول الغبار السام إلى قاتل بطيء يدمر الرئتين ويضرب في رحم الحامل التي تواصل الحفر حتى الشهر الأخير من حملها وفي ثدي الأم التي ترضع طفلها على حافة الحفر الملوثة وتتركه ينام فوق تراب مسموم ويبقى العالم في المقابل غارقا في صمته.
وفي تقرير لمنظمة IMPACT تقول احدى العاملات : “لا أحد يملك الحق في الحكم علينا”.
وبهذه الكلمات يلخصن صمودهن في وجه غياب أبسط الحقوق.
ومن رحم الالم والقسوة تولد المقاومة الحقيقية كاستجابة طبيعية للظلم والضغط الشديد، فها هي Aimée Manyong تقود تعاونيات لانتزاع مقاعد رسمية داخل المناجم وتقوم أخريات في لوبومباشي بتحويل نفايات التعدين إلى فحم بيئي وفرص عمل مستدامة بدعم من مبادرات “الوظائف الخضراء”.
وحتى في المكاتب بدأت الصورة تتغير إذ تثبت جيولوجيات مثل Nahomie Tshikadi أن خبرة المرأة لم تعد خيارا بل ضرورة لقطاع يسعى لأن يكون “أخلاقيا وقابلاً للتتبع” كما تحاول شركة الكوبالت العامة EGC.
واعلم ايها القارىء أن نساء الكونغو العاملات يثتبن يوما بعد يوم أن مستقبل الطاقة النظيفة يمر حتما بين بأيديهن.
فإذا كانت دول العالم تتصارع على مناجم الكوبالت لتأمين مستقبلها التكنولوجي، فإن مستقبل الإنسانية نفسه يتوقف على كرامة النساء اللواتي يحفرنه بأيديهن وبدون إنصافهن ستظل “الطاقة النظيفة” مجرد تسمية… ملطخة بالغبار والدم.













