من روما إلى واشنطن.. هل تستعيد الدولة قرارها؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
بسام فقيه
بسام فقيه

بقلم: بسام فقيه

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى روما، بالتزامن مع زيارة قائد الجيش رودولف هيكل، مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل كشفت حجم التعقيدات التي تواجه المسار اللبناني لوقف العمليات الإسرائيلية في الجنوب والانتقال إلى مرحلة تنفيذ التفاهمات. فالزيارة أظهرت أن هناك استعداداً دولياً للمساعدة في آلية التحقق، وأن العقدة الأساسية لم تعد في العثور على دول مستعدة للمشاركة، بقدر ما أصبحت مرتبطة بالموقف الإسرائيلي ومدى استعداده للانتقال من التفاوض إلى التنفيذ.

وفي روما، بدا واضحاً أن لبنان يحاول تثبيت معادلة أساسية: أي آلية تحقق يجب أن تساعد الجيش اللبناني ولا تتحول إلى بديل عنه، وأن تجري بالتنسيق معه وتحت مظلته، بما يحفظ للدولة سيادتها ويمنع تحويل عملية التحقق إلى آلية رقابة مفتوحة تمنح إسرائيل حق الاعتراض الدائم أو إعادة التفتيش أو تأجيل الانسحاب.

لكن ما كشفته زيارة روما يتجاوز التفاصيل التقنية للآلية. فالمفاوضات السياسية تجري فيما الجنوب يتعرض لتصعيد إسرائيلي متواصل، ما يجعل الميدان نفسه جزءاً من عملية التفاوض.

إسرائيل تفاوض بالنار.

فالعمليات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على استهدافات محددة، بل تجمع بين القصف والتفجير والتجريف والتوغّل، من المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد في المحور الغربي، إلى مرتفعات علي الطاهر في المحور الشرقي.

وهذا يعني أن إسرائيل لا تنتظر بالضرورة نتائج المفاوضات قبل تعديل الوقائع على الأرض، بل تعمل على خلق وقائع جديدة يمكن أن تتحول لاحقاً إلى أوراق تفاوض. فكل منطقة تُستهدف، وكل موقع يُدمّر، وكل عائلة تضطر إلى النزوح، يمكن أن تصبح جزءاً من المعادلة التي ستصل في النهاية إلى طاولة البحث.

وفي هذا المناخ تحديداً، يأتي التطور المتعلق بإبداء حزب الله استعداده للتفاوض غير المباشر مع واشنطن.

إذا تأكد هذا المسار واتخذ شكلاً عملياً، فإنه يمثل تحولاً مهماً في التعامل مع الأزمة. فالحزب الذي ظل خارج المسار التفاوضي المباشر حول القضايا المرتبطة بسلاحه وانتشاره، يبدو أنه يدرك أن البقاء خارج التفاوض قد يترك الآخرين يحددون شروط التسوية، فيما يتحمل هو نتائجها.

ويمكن فهم هذا الانفتاح باعتباره محاولة لتجنب مزيد من الانكشاف العسكري والسياسي، واحتواء التصعيد الإسرائيلي، وفتح باب للحصول على ضمانات تتصل بمستقبل الجنوب والانتشار العسكري وترتيبات ما بعد الحرب.

لكن الحوار لا يعني بالضرورة أن الحزب بات مستعداً للتخلي عن سلاحه أو القبول فوراً بحصر القرار العسكري بيد الدولة. فالفارق كبير بين التفاوض لوقف الهجوم الإسرائيلي وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة، وبين الدخول في مسار يؤدي إلى إنهاء الدور العسكري للحزب داخل لبنان.

وهنا تصبح طبيعة التفاوض ومضمونه أهم بكثير من مجرد حصوله.

هل يجري البحث عن تسوية توقف الحرب وتمنع إسرائيل من توسيع عملياتها؟ أم أن الحوار يمكن أن يتطور إلى تفاهم أوسع يتناول السلاح والقرار العسكري ومستقبل الحزب داخل الدولة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة المقبلة.

كما أن أي انفتاح أميركي على الحزب لا يمكن فصله عن حراك إقليمي أوسع، مع تنامي الدور التركي ووجود قنوات لنقل الرسائل إلى الحزب وإيران. وقد يكون إشراك أطراف إقليمية مفيداً في إزالة العقبات أمام أي تسوية، لكنه يحمل في المقابل خطراً آخر: أن يتحول لبنان إلى ساحة تفاوض إقليمي، فيما تتراجع الدولة اللبنانية إلى موقع المتلقي للنتائج.

وهنا تحديداً يجب أن تكون الأولوية اللبنانية واضحة.

الدولة ليست طرفاً ثالثاً في هذه المعادلة، وليست مجرد جهة تنفذ ما يتم الاتفاق عليه بين واشنطن وتل أبيب والحزب أو بين القوى الإقليمية. الدولة هي الطرف الدستوري المعني بالتفاوض باسم لبنان، والجيش هو المؤسسة الشرعية المسؤولة عن الأرض والحدود والأمن.

لذلك، فإن أي قناة تفاوض غير مباشرة مع الحزب يمكن أن تكون مفيدة إذا ساعدت على وقف الحرب وتسهيل تنفيذ التفاهمات، لكنها تصبح خطرة إذا تحولت إلى مسار موازٍ يقرر مستقبل الجنوب ولبنان خارج مؤسسات الدولة.

ومن هنا تكتسب مفاوضات روما أهميتها الحقيقية.

المطلوب ليس فقط إيجاد صيغة تقنية للتحقق، بل تثبيت مرجعية الدولة والجيش، ومنع إسرائيل من تحويل التحقق إلى حق اعتراض دائم، وتحويل الدعم الدولي إلى خطوات عملية تؤدي إلى الانسحاب والتهدئة.

وفي المقابل، يمكن للبنان أن يستفيد من أي انفتاح أميركي على الحزب، شرط أن يصب هذا الانفتاح في مسار واحد تقوده الدولة، لا أن ينتج تفاوضاً موازياً لها.

فالخطر الحقيقي ليس في تعدد القنوات بحد ذاته، بل في تعدد المرجعيات.

إذا كانت هناك طاولة للدولة اللبنانية في روما، وطاولة أخرى بين واشنطن والحزب، ومسار إقليمي تشارك فيه إيران وتركيا ووسطاء آخرون، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام تسوية تُصنع على أكثر من مستوى، من دون أن يكون هو صاحب القرار النهائي فيها.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة.

ليس المطلوب أن تمنع الدولة كل القنوات، بل أن تجعلها تصب في اتجاه واحد: وقف العمليات الإسرائيلية، انسحاب إسرائيل، انتشار الجيش اللبناني، تثبيت السيادة، ووضع القرار الأمني والعسكري تحت سلطة المؤسسات الشرعية.

أما إذا انتهت هذه المسارات إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار بين قوى محلية وإقليمية ودولية، من دون استعادة الدولة قرارها، فإن لبنان لن يكون قد خرج من أزمته، بل سيكون قد انتقل إلى مرحلة جديدة من إدارتها.

من روما إلى واشنطن، المسألة في النهاية ليست فقط من يفاوض ومن يملك أوراق القوة، بل من يملك حق تحديد مستقبل لبنان.

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة