
بقلم: مصطفى زكريا
فيلم Being There «الوجود هناك»، إنتاج عام 1979، بطولة بيتر سيلرز وشيرلي ماكلين وميلفين دوجلاس، وإخراج هال أشبي، عن رواية وسيناريو جيرزي كوسينسكي، من تلك الأفلام التي تستحق أن تُشاهد باهتمام وتركيز؛ لأن كثيرا ً من مشاهدها لا يكتفي بما نراه على الشاشة، وإنما يحمل وراءه رسائل إنسانية واجتماعية وقدرية وسياسية أيضًا، صيغت بحرفية عالية، وقُدمت برؤية إخراجية شديدة الذكاء.
ومن هنا جاءتني فكرة هذا المقال؛ لا لأروي أحداث الفيلم، ولا لأقدم مراجعة سينمائية له، وإنما لأضع بين يدي المشاهد مفتاحا ً يساعده على رؤية ما وراء بعض مشاهده، دون أن أفسد عليه متعة اكتشاف ما تركه الفيلم مفتوحا ً للتأمل.
تشانس رجل عاش عمره بستانيا ً داخل منزل، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يتلقَّ تعليمًا، ولم يخرج من ذلك المنزل طوال حياته. كانت الحديقة عالمه الحقيقي، والتلفزيون نافذته الوحيدة إلى العالم الخارجي، والريموت كونترول أداته الوحيدة التي يعرفها لتغيير ما يشاهده أمامه؛ فإذا لم يعجبه مشهد انتقل ببساطة إلى مشهد آخر.
وحين يموت صاحب المنزل، يأتي المحامون القائمون على التركة ويطلبون منه المغادرة، فيجد نفسه للمرة الأولى في حياته في الشارع، أمام عالم حقيقي لا يمكن تغيير مشاهده بضغطة زر. لم يختار الخروج، ولم يقرر أن يبدأ حياة جديدة، ولم يكن يعرف حتى إلى أين يذهب؛ فقط انتهى فصل من حياته، فبدأ فصل آخر لم يكن له يد في بدايته. فداخل المنزل كان تشانس يستطيع تغيير العالم الذي يراه، أما بعد خروجه فإن العالم هو الذي يبدأ في تغيير حياة تشانس.
وهنا تظهر أولى إشارات الفيلم العميقة .. فالبستاني الذي لا يعرف الاقتصاد ولا السياسة يعرف شيئا ً أبسط وأقدم منهما: أن للحديقة فصولا ً. تنمو الأشجار وتزدهر، ثم تذبل، ويأتي الشتاء، وبعده يعود الربيع.
إنه لا يقدم فلسفة عن الحياة، بل يصف ما يعرفه عنها، غير أن الآخرين هم الذين يحولون كلماته إلى فلسفة.
ويأتي اصطدام سيارة إيف به لينقله إلى منزل رجل الأعمال النافذ بينجامين راند. لم يبحث تشانس عن إيف، ولم تبحث هي عنه، لكن حادثا ً عابرا ً ينقله من الشارع إلى واحد من أكثر البيوت اتصالا ً بالمال والسلطة. وهنا يطل البعد القدري مرة أخرى: كم من الطرق التي غيرت حياتنا اخترناها فعلا ً، وكم منها بدأت بأحداث لم نخطط لها؟
حين يسأله راند عن الاقتصاد، يتحدث تشانس عن الحديقة؛ يقول ما يعرفه، ويسمع راند ما يريد أن يسمعه .. وحين تنتقل كلماته إلى الرئيس، ثم إلى الإعلام، يصبح الحديث البسيط عن نمو الأشجار وتعاقب الفصول، في نظر الآخرين، رؤية اقتصادية وسياسية عميقة.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الفيلم. فالمشكلة ليست أن تشانس يخدعهم؛ فهو لا يخدع أحدا ً، ولا أنه عبقري يتخفى وراء البساطة؛ فهو لا يدعي شيئا ً. وإنما الآخرين هم الذين يصنعون بأنفسهم الشخصية التي يريدون رؤيتها فيه. كلٌ منهم يملأ الفراغ بما لديه من أفكار وتوقعات ومصالح، حتى يصبح الرجل الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف شيئا ً عن السياسة والاقتصاد، في أعينهم حكيما ً غامضا ًوصاحب رؤية سياسية واقتصادية.
ومن ذكاء الفيلم أنه لم يجعل من تشانس فيلسوفا ً متخفيا ً وراء بساطته، ولم يحمّله وعيا ً بمعانٍ لا يعرفها؛ فقد ظل حتى النهاية بستانيا ً بسيطا ً يقول ما يعرفه ويعيش كما يعرف. تشانس لم يكن صاحب فلسفة الفيلم؛ بل كان الشخصية التي اختارها صُنّاع العمل ليقدموا من خلالها الفلسفة الكامنة وراءه. فلسفة وُضعت في الأحداث والمفارقات، وفي ذلك الخيط القدري الذي حمله من عالم إلى آخر، لا في عقل تشانس نفسه.
وليس من المصادفة أن يكون التلفزيون نافذته الوحيدة إلى العالم .. لقد تعلّم الحياة من الشاشة، ثم تأتي الشاشة نفسها لتعيد تقديمه إلى الناس في صورة جديدة. التلفزيون الذي صنع جانبا ً كبيرا ً من وعي تشانس، يصنع بدوره وعي المجتمع عنه، حتى تصبح الصورة أقوى من الحقيقة. وكلما اقترب من دوائر المال والسياسة والإعلام، يفرض الفيلم سؤالا ً آخر:
هل هؤلاء الذين يديرون العالم يرون الناس والأحداث كما هي فعلا ً، أم أنهم أيضا ً يعيشون داخل صور وتأويلات صنعوها لأنفسهم؟
ثم تأتي الجنازة، ويصل البناء الرمزي إلى ذروته. يصعد الرجال بالجثمان إلى مكان مرتفع، وفي خلفية المشهد يظهر تكوين لافت يجمع شكلا ً هرميا ً وعينا ً تراقب من أعلى؛ صورة لا يصح تجاهلها، وإن كان الفيلم لا يقدم تفسيرا ً قاطعا ً لدلالتها، ويتركها مفتوحة لأكثر من قراءة .. وفي الوقت نفسه، يتداول رجال المال والنفوذ اسم تشانس باعتباره احتمالا ً لرئاسة الولايات المتحدة.
وعلى النقيض تماما ً، يولي تشانس هذا المشهد كله ظهره ويبتعد صوب البحيرة .. وفي طريقه يتوقف ليعيد غصن شجرة سقط إلى موضعه.
هناك رجال يحملون إنسان انتهت حياته ويفكرون فيمن سيأتي بعده، وهناك بستاني يصلح غصنا ً سقط كي تستمر الحياة .. موت وحياة، نهاية وبداية، وسلطة تبحث عمن يخلفها، بينما تشانس لا يزال مشغولا ً بما يعرفه:
أن ما يسقط في الحديقة يحتاج إلى من يعيده إلى موضعه.
ثم يدخل الماء ويمشي فوق سطحه .. ويحرص المخرج على إظهار عمق المياه، حين يغرس تشانس عصا مظلته فيها إلى عمق واضح، بينما يستمر في السير فوق سطحها دون أن يغرق، وينتهي المشهد والفيلم، تاركا ً للمشاهد أن يفكر في رمزية العمل ورسائله.
وهنا تكتمل الدائرة .. فقد بدأت فلسفة الفيلم دنيوية، من حديقة وفصول تتعاقب، ولم تخلُ رحلته من مسحة قَدَريَّة حملت تشانس إلى أماكن لم يسع إليها، ثم انتهت بمسحة دينية لا يفرض الفيلم لها تفسيراً واحدا ً.
وربما تكمن عبقرية النهاية في ذلك تحديدا ً؛ فطوال الفيلم كان الآخرون ينظرون إلى تشانس ويرون فيه ما يريدون أن يروه، ثم يتركنا المخرج أمام صورته الأخيرة ونحن ننظر إليه يسير فوق الماء، وكأنه يسألنا نحن هذه المرة:
وماذا نريد نحن أن نرى؟
فالحياة عند تشانس ظلت أبسط من كل ما صنعه الآخرون حوله: فصل ينتهي، وآخر يبدأ، شيء يسقط فنحاول إقامته، ثم نمضي في الطريق … والحياة تستمر.
