“اليونيفيل” أمام فرصة أخيرة.. هل تعيد فرنسا فتح باب التمديد بموافقة أمريكية؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
“اليونيفيل” أمام فرصة أخيرة.. هل تعيد فرنسا فتح باب التمديد بموافقة أمريكية؟
بيروت- بسام فقيه:

قبل أشهر قليلة، كان الحديث عن مستقبل اليونيفيل يبدو محسوماً: نهاية المهمة في جنوب لبنان مع نهاية عام 2026، ثم بدء انسحاب تدريجي ومنظم للقوة الدولية، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الذي وصف التمديد الأخير بأنه «النهائي».

اليوم، يبدو أن شيئاً ما بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس.

المعلومات المتداولة عن استعداد فرنسا للعودة والمطالبة بتجديد مهمة اليونيفيل إذا طلب لبنان ذلك، بالتزامن مع معلومات تشير إلى أن واشنطن لا تضع «فيتو» مسبقاً على التمديد، تفتح نافذة سياسية لم تكن موجودة بالشكل نفسه عندما صدر قرار إنهاء المهمة.

وهنا تكمن أهمية التطور.

فالمسألة لم تعد تتعلق بما إذا كانت اليونيفيل ستغادر في نهاية 2026 فقط، وإنما بما إذا كان بالإمكان إعادة فتح القرار الدولي نفسه، وتأجيل نهاية المهمة، وربط استمرارها بخطوات لبنانية مطلوبة.

قرار «التمديد الأخير» لم يعد بالضرورة نهاية الطريق

في آب 2025، قرر مجلس الأمن بالإجماع تمديد مهمة اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب تدريجية.

القرار جاء بعد تفاهم دولي لم يكن سهلاً، وكانت الولايات المتحدة من الدول التي دعمت إنهاء المهمة بعد هذا التمديد، في ظل رؤية أميركية تعتبر أن الظروف الأمنية والسياسية تغيّرت، وأن مسؤولية الأمن في الجنوب يجب أن تنتقل تدريجياً إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. (Reuters)

لكن القرارات الدولية، مهما بدت نهائية، تبقى مرتبطة بالظروف التي أنتجتها.

والظروف اليوم مختلفة.

الجنوب لم يدخل مرحلة الاستقرار الكامل، والجيش اللبناني لا يزال أمام مهمة كبيرة في بسط سلطة الدولة، والحدود الجنوبية لا تزال واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية، فيما لم تُحسم بعد بصورة نهائية الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تحكم المرحلة المقبلة.

والأهم أن المجتمع الدولي نفسه بدأ يبحث عن اليوم التالي لليونيفيل.

لماذا عادت فرنسا إلى الواجهة؟

فرنسا هي الدولة الأكثر ارتباطاً سياسياً وعملياً باليونيفيل بعد الولايات المتحدة، ولديها حضور عسكري بارز داخل القوة، كما أنها تنظر إلى استقرار الجنوب باعتباره جزءاً من استقرار لبنان والمنطقة.

ومنذ صدور قرار إنهاء المهمة، لم تتعامل باريس مع المرحلة المقبلة على أنها مجرد انسحاب وانتهى الأمر.

بل تحركت باتجاه البحث عن صيغة تمنع الفراغ، وطرحت أفكاراً حول قوة دولية جديدة، كما تعمل على حشد الدعم للجيش اللبناني.

والجديد الآن أن باريس، بحسب المعلومات المتداولة، قد تكون مستعدة للعودة إلى مجلس الأمن والمطالبة بتمديد اليونيفيل نفسها إذا طلب لبنان ذلك.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية.

لأن المبادرة الفرنسية، إذا انتقلت من مستوى الاتصالات إلى مستوى التحرك الرسمي، تعني أن قرار «التمديد الأخير» أصبح قابلاً لإعادة النقاش.

والأهم: لا رفض أميركياً مطلقاً

ربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في التطور الجديد.

فالحديث عن استعداد أميركي للنظر في التمديد، ولو مقابل تنفيذ لبنان مجموعة من المطالب، يعني أن الموقف الأميركي ليس مغلقاً تماماً أمام الفكرة.

وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.

فالولايات المتحدة لن تكون معنية ببقاء اليونيفيل لمجرد استمرار الوضع القائم، لكنها قد تكون مستعدة للنظر في تمديدها إذا أصبح وجودها جزءاً من خطة أكبر تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة اللبنانية والجيش، وتنفيذ الالتزامات الأمنية المطلوبة، ومنع الفراغ في الجنوب.

بمعنى آخر، قد لا تكون واشنطن مستعدة لمنح لبنان «تمديداً مجانياً».

لكنها قد تكون مستعدة لمنح تمديداً مشروطاً.

وهذا فرق كبير.

فإذا كانت المعادلة المطروحة هي أن يطلب لبنان التمديد، وتدعم فرنسا الطلب، مقابل أن يلتزم لبنان بخطوات واضحة في ما يتعلق بالجيش، وانتشار الدولة، وضبط الحدود، وحصرية القرار الأمني والعسكري، فإن اليونيفيل يمكن أن تتحول من قضية خلافية إلى جزء من عملية سياسية وأمنية أوسع.

لماذا يحتاج لبنان إلى اليونيفيل الآن؟

يمكن للبنان أن يقول، من حيث المبدأ، إن الهدف النهائي هو أن يتولى الجيش اللبناني وحده مسؤولية الأمن على كامل الأراضي اللبنانية.

وهذا أمر طبيعي في دولة ذات سيادة.

لكن الانتقال من وجود قوة دولية كبيرة إلى مسؤولية الجيش وحده يحتاج إلى ظروف غير متوافرة بالكامل حتى الآن.

فالجيش يحتاج إلى مزيد من القدرات والعتاد والتمويل، والجنوب يحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة، والحدود تحتاج إلى آليات مراقبة، فيما لا تزال المنطقة عرضة لاحتمالات التصعيد.

لهذا فإن مغادرة اليونيفيل قبل اكتمال البديل قد تخلق فراغاً لا يستطيع لبنان وحده تحمل نتائجه.

وقد أدرك المجتمع الدولي نفسه هذه المشكلة؛ إذ يبحث الاتحاد الأوروبي حالياً في مهمة جديدة لدعم وتدريب القوات المسلحة اللبنانية، بينما طُرحت أفكار أوروبية أخرى حول وجود أمني بعد انتهاء اليونيفيل. (Reuters)

لكن هذه الأفكار لا تعني أن البديل جاهز.

وهنا تصبح اليونيفيل خياراً أكثر واقعية من القفز مباشرة إلى صيغة جديدة غير واضحة المعالم.

هل التمديد أسهل من استبدال اليونيفيل؟

على الأرجح نعم.

إنشاء قوة دولية جديدة يحتاج إلى قرار سياسي، وموافقة الدول المشاركة، وتحديد المهمة والصلاحيات والتمويل وقواعد الاشتباك، ثم تشكيل القوة ونشرها.

أما تمديد اليونيفيل، فيعني ببساطة استمرار آلية قائمة بالفعل.

وهذا لا يعني أن التمديد سيكون سهلاً، لكنه قد يكون أكثر واقعية وسرعة، خصوصاً إذا كان الهدف منع حصول فراغ أمني في مرحلة شديدة الحساسية.

ولذلك قد يكون الخيار المطروح أمام المجتمع الدولي هو:

لا إلغاء لليونيفيل الآن، ولا استمرار مفتوح إلى ما لا نهاية، بل تمديد إضافي مشروط ومحدد زمنياً، ريثما تنضج ترتيبات المرحلة المقبلة.

ماذا يمكن أن يطلب الأميركيون من لبنان؟

هنا تكمن العقدة الأساسية.

إذا كان التمديد مرتبطاً بخطوات لبنانية، فإن السؤال سيكون: ما هي هذه الخطوات؟

من المرجح أن تدور حول تعزيز انتشار الجيش، وتوسيع قدرته على بسط سلطة الدولة في الجنوب، وضبط الحدود، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية خارج مؤسسات الدولة، إضافة إلى خطوات مرتبطة بتنفيذ التفاهمات الأمنية.

وبالتالي، فإن معركة التمديد قد تتحول إلى جزء من المعركة الأكبر حول مستقبل السلاح ودور الدولة في الجنوب.

وهذا ما يجعل الملف بالغ الحساسية داخلياً.

فالتمديد، في هذه الحالة، لن يكون مجرد قرار يتعلق بقوة أممية، بل سيكون مرتبطاً بصورة الجنوب التي تريدها الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان في المرحلة المقبلة.

هل تستطيع فرنسا إقناع واشنطن؟

هنا السؤال الأصعب.

فرنسا تستطيع أن تفتح الباب، وأن تقدم مشروعاً، وأن تحشد الأوروبيين، وأن تستخدم موقعها داخل مجلس الأمن، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان صدور قرار جديد.

المفتاح يبقى في التفاهم الأميركي ـ الفرنسي.

وإذا كانت واشنطن بالفعل لا ترفض التمديد بصورة مطلقة، فهذا يعني أن مساحة التفاوض موجودة.

وقد تكون فرنسا قادرة على تسويق صيغة تقول للأميركيين إن بقاء اليونيفيل لفترة إضافية لن يكون تكريساً للوضع السابق، بل أداة للانتقال إلى الوضع الجديد.

أي أن اليونيفيل لا تبقى لحماية واقع قديم، وإنما تبقى لمساعدة الدولة اللبنانية على بناء واقع جديد.

وهذه ربما تكون الصيغة الوحيدة القابلة للحياة.

لبنان أمام فرصة وليس أمام انتصار

من الخطأ التعامل مع احتمال التمديد وكأنه انتصار سياسي لبناني على واشنطن أو إسرائيل.

الأمر أكثر تعقيداً.

إذا عاد التمديد إلى الطاولة، فهذا يعني أن المجتمع الدولي يرى أن الظروف لم تسمح بعد بإغلاق ملف اليونيفيل.

لكن في المقابل، سيكون على لبنان أن يقدم شيئاً في المقابل.

وهنا يجب أن يكون الموقف اللبناني واضحاً: المطلوب ليس مجرد إبقاء قوات دولية في الجنوب، بل استخدام أي تمديد كمرحلة انتقالية تساعد الجيش اللبناني على استعادة كامل دوره، وتحمي الجنوب من الفراغ، وتمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام احتمالات الحرب.

فالهدف ليس أن تبقى اليونيفيل إلى الأبد.

الهدف أن لا تغادر قبل أن يصبح خروجها آمناً وقابلاً للحياة.

هل يمكن أن يتغير القرار؟

نعم، من حيث المبدأ.

قرار مجلس الأمن السابق حدد نهاية المهمة في 31 كانون الأول 2026، لكن صدور قرار جديد يحتاج إلى توافق سياسي جديد.

والعامل الذي قد يدفع باتجاه هذا التوافق هو أن البديل لم ينضج بعد، وأن الواقع الميداني لا يزال هشاً، وأن لبنان نفسه قد يطلب استمرار الوجود الدولي، فيما تبدو فرنسا مستعدة للتحرك، وواشنطن، وفق المعلومات المتداولة، لا تغلق الباب تماماً أمام الفكرة.

وهذا يخلق للمرة الأولى منذ صدور قرار الإنهاء مثلثاً يمكن البناء عليه: طلب لبناني، مسعى فرنسي، ومرونة أميركية مشروطة.

إذا اجتمعت هذه العناصر، يصبح تعديل القرار ممكناً.

أما إذا فشل لبنان في تقديم الخطوات المطلوبة، أو بقيت الخلافات الأميركية ـ الفرنسية عميقة حول مستقبل الجنوب، أو نجحت القوى الدولية في الاتفاق سريعاً على قوة بديلة، فإن فرصة التمديد قد تتراجع.

المعركة بدأت قبل موعد الرحيل

ما يجري اليوم ليس تفصيلاً دبلوماسياً.

إنه بداية معركة سياسية حول شكل الجنوب بعد 2026.

فبينما كانت الأنظار تتجه إلى موعد رحيل اليونيفيل، بدأت العواصم المعنية تطرح سؤالاً أكثر أهمية: هل الأفضل أن ترحل اليونيفيل فعلاً، أم أن تبقى لفترة إضافية؟ وإذا بقيت، فما المطلوب من لبنان؟ وإذا رحلت، فمن سيأتي مكانها؟ ومن يضمن ألا يتحول الجنوب إلى فراغ أمني؟

ومن هنا تبدو أهمية المسعى الفرنسي الجديد.

فإذا كانت باريس ستطلب التجديد بناءً على طلب لبناني، وإذا لم تكن واشنطن ترفض الأمر بصورة مطلقة، فإن الباب الذي بدا مغلقاً في آب 2025 لم يعد مغلقاً بالكامل.

لكن فتح الباب لا يعني أن التجديد حصل.

إنها بداية تفاوض.

وربما تكون الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيشهد نهاية مهمة اليونيفيل فعلاً، أم أن القرار الدولي سيعاد النظر فيه، ولو لمرحلة انتقالية.

وفي الحالتين، يبقى الأهم أن لا يُتخذ القرار بمعزل عن حقيقة واحدة:

الجنوب لا يحتمل فراغاً جديداً، ولا يحتمل أن تتحول نهاية اليونيفيل إلى بداية مرحلة جديدة من الفوضى الأمنية.

ولهذا، فإن أي تمديد محتمل يجب ألا يُقرأ كتمديد لقوة دولية فحسب، بل كفرصة لشراء الوقت، وتثبيت الهدوء، وتعزيز الجيش، وترتيب انتقال حقيقي نحو سيادة الدولة الكاملة.

فالسؤال لم يعد: هل تنتهي اليونيفيل؟
السؤال أصبح: هل الظروف تسمح للبنان والعالم بأن ينهياها الآن؟

الاخبار العاجلة