
بقلم: لواء/ مصطفى زكريا
في الوقت الذي تتعاظم فيه التحديات وتتطلب المجتمعات قيادة واعية وكفاءات عالية لإدارة مؤسساتها، نُفاجأ بواقع مؤلم: مناصب قيادية ومواقع مؤثرة تُشغل من قِبل أفراد يفتقرون إلى أبسط مقومات الكفاءة، لا لشيء سوى أنهم وصلوا إليها عن طريق “الانتخاب” أو “التوازنات”، لا عن طريق الجدارة والاستحقاق.
ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها ليست قاصرة على مؤسسة دون أخرى، ولا على قطاع دون سواه. فالأزمة تطال النقابات، والبرلمانات، وبعض الأحزاب، وحتى الإعلام والفضائيات.
لم نعد نندهش من صعود المهرتلين والطبالين والزماربن إلى واجهة المشهد العام، بينما تُقصى الكفاءات الجادة التي لا تجيد التصفيق ولا تجامل على حساب الوطن.
المشكلة ليست في الانتخاب فقط ؛؛ حيث يظن البعض أن الانتخابات ضمانة ديمقراطية كافية لتصعيد الأفضل، لكن التجربة تُثبت أن الانتخابات بلا معايير مسبقة تتحول إلى مسرح شعبوي، يتصدره من يملك المال أو الصوت العالي أو القدرة على الحشد، لا من يملك الرؤية والقدرة على الأداء.
حتى بعض المناصب التي تُشغل بالتعيين، لا تخلو من المحاباة أو الترضيات أو توازنات المصالح، فتجد نفسك أمام مشهد عبثي لمناصب تُدار بالعشوائية، تُهدر فيها الطاقات وتُعطل فيها التنمية، وتُكافأ فيها الرداءة علي حساب الجدارة ! وتلك هي الكارثة في ظل غياب معايير الاختيار.
إن السماح لغير المؤهلين بتصدر المشهد هو انتحار إداري، وإهدار سياسي، وخيانة مجتمعية.
الحل لا يكمن في إلغاء الانتخابات، بل في وضع أُطُر لها بمقاييس حاكمة تماما ً، كما لا يكمن الحل في تقليص سلطة التعيين، بل في تحصينها من الانحراف عبر نظم محكمة للاختيار .. فلن نخرج من هذه الدوامة إلا إذا :
• وُضعت شروط علمية وسلوكية وخبراتية مسبقة لا يجوز تجاوزها للترشح أو التعيين في أي منصب عام أو مؤسسي.
• خضع المرشحون لآلية تقييم حقيقية تشمل اختبارات تحليل شخصية، واختبارات مهنية، وتدقيق في السيرة الذاتية.
• المحاسبة علي الثقافة والممارسة، لا لمجرد شعار يُرفع وقت الأزمات ثم يُطوى مع الوقت.
• إعادة الاعتبار إلى أهل الكفاءة والخبرة، لا أهل الولاء أو الدعاية أو العلاقات.
الكفاءة ليست رفاهية بل أولوية وطنية ؛ حين يُدار الوطن بعقول صلبة وخبرات مخلصة وضمائر حية، تنهض الأمم، وحين يُدار بالترضيات والمجاملات، يغرق في الفوضى والانحدار.
الانتخاب لا يعفي من المسؤولية، والتعيين لا يبرر الفشل؛ فكلاهما بحاجة إلى إصلاح جوهري يبدأ بوضع معايير صارمة تضمن أن يتولى كل موقع من هو أهل له بحق.
وما لم تغيير هذه المنظومة المختلة، فسنظل نُعاني من قرارات هشة، وإدارات مرتعشة، ومناصب محتلة، وكفاءات مهمشة؛ ونتائج ضعيفة وغير مُرضية .
