من “كييف” إلى “طهران”.. حرب متعددة الجبهات ومخاض نظام دولي جديد

28 فبراير 2026آخر تحديث :
 لواء دكتور محمد الدسوقي
لواء دكتور محمد الدسوقي

بقلم: لواء دكتور محمد الدسوقي 

 

لم يعد ممكناً قراءة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، باعتبارها أزمة شرق أوسطية تقليدية. فالعالم الذي لم يخرج بعد من ارتدادات الحرب بين روسيا وأوكرانيا يجد نفسه اليوم أمام تداخل جبهات، وتراكم صراعات، واختبار حقيقي لصلابة النظام الدولي القائم. ما يحدث ليس مجرد تبادل ضربات، بل فصل جديد
في صراع أوسع حول من يملك حق صياغة قواعد النظام العالمي.
قراءة واقعية (القوة قبل الشرعية):
وفقًا لمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فإن الدول تتحرك بدافع البقاء وتعظيم
القوة، لا بدافع القيم أو الشرعية الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الحالية منطقية ضمن حسابات الردع.
فبالنسبة لواشنطن، فإن تحجيم القدرات الإيرانية يهدف إلى: إعادة تثبيت الهيمنة
في منطقة حيوية للطاقة، وحماية التفوق النوعي الإسرائيلي، ومنع تشكل محور مضاد يضم موسكو وطهران وبكين.
أما إسرائيل، فتتعامل مع الصراع باعتباره مسألة أمن قومي وجودي، وتسعى
إلى ضرب مصادر التهديد الاستراتيجي قبل تحولها إلى معادلة ردع متكافئة.
وتتحرك إيران وفق منطق “الردع بالمخاطر”، أي رفع كلفة أي هجوم عليها إلى مستوى يجعل خصومها يعيدون حساباتهم، سواء عبر الصواريخ أو توسيع نطاق الاشتباك إقليمياً. هكذا، تتقدم القوة على القانون، والمصالح على المبادئ.
توازن القوى وعودة الاستقطاب:
الحرب الحالية لا تنفصل عن الحرب (الروسية – الأوكرانية). فموسكو، التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الغرب في أوروبا الشرقية، ترى في إيران شريكاً استراتيجياً مهماً في كسر الطوق الغربي جنوباً. وإضعاف طهران يُقرأ في الكرملين كامتداد لمحاولة تطويق روسيا جيوسياسياً. ومن منظور توازن القوى، فإن تحالفات المرحلة الحالية تعكس اصطفافاً متزايداً
بين محور تقوده واشنطن، ومحور آخر يضم روسيا وإيران، وتحظى الصين فيه بدور مركزي، وإن كان أقل صدامية.
أما الصين، التي تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز، تنظر إلى إيران باعتبارها عقدة جغرافية مهمة في مشروع الحزام والطريق، وركيزة في مواجهة النفوذ الأمريكي في الخليج. ومع تراجع نفوذها في فنزويلا – التي مثلت لها سابقاً نقطة ارتكاز طاقوية وسياسية في أمريكا اللاتينية – تتعاظم أهمية الحفاظ على شراكاتها في غرب آسيا. وهكذا، يصبح الصراع الإيراني جزءاً من لعبة توازنات عالمية، لا مجرد نزاع إقليمي.
انتقال النظام الدولي (لحظة ما قبل التبلور):
تُظهر نظرية انتقال النظام الدولي أن الحروب الكبرى غالباً ما ترافق مراحل انتقال القوة من قطب مهيمن إلى نظام أكثر تعددية. فبعد الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بلحظة أحادية قطبية. لكن صعود الصين، وعودة روسيا، وتزايد أدوار قوى إقليمية، أعاد العالم إلى حالة سيولة استراتيجية.
كشفت الحرب في أوكرانيا حدود القدرة الغربية على الحسم السريع. والحرب في الخليج تختبر قدرة واشنطن على إدارة صراعين استراتيجيين متزامنين دون استنزاف مفرط.
فإذا نجحت الولايات المتحدة في احتواء التصعيد سريعاً، فقد تعزز موقعها كقوة قادرة على فرض قواعد الردع في أكثر من مسرح. أما إذا طال أمد الحرب، فقد يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف إضافية تُسرع من انتقال النظام نحو تعددية قطبية غير مستقرة.
الشرق الأوسط بين إعادة الهيكلة والانكشاف الأمني:
إقليميًا، تفتح الحرب الباب أمام: سباق تسلح متسارع، وإعادة صياغة التحالفات الدفاعية، وتعميق الانقسام بين معسكرات متقابلة.
كما أن أي تهديد للممرات البحرية سيحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، بما يضغط على الدول المستوردة للطاقة، ويعيد تشكيل أولويات الأمن القومي لديها. وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى تنويع تحالفاتها، والبحث عن توازنات جديدة لا تعتمد حصريًا على قوة واحدة.
الاقتصاد العالمي بين جبهتين:
تزامن الحربين – في أوروبا الشرقية والخليج – يضاعف هشاشة الاقتصاد العالمي. فالحرب (الروسية – الأوكرانية) رفعت أسعار الطاقة والحبوب وأطلقت موجة تضخم واسعة، وأي اضطراب إضافي في إمدادات النفط والغاز سيؤدي إلى: ارتفاع جديد في الأسعار، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وتقلبات حادة في الأسواق المالية. وفي حال استمرار التوتر، قد يدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة “ركود تضخمي” تتآكل فيها معدلات النمو تحت ضغط الأسعار المرتفعة.
لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي:
الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة. إنها اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة صراع متعدد الجبهات، ومرآة لتحول أعمق في بنية النظام الدولي.
من منظور الواقعية، نحن أمام صراع إرادات وقوة. ومن منظور توازن القوى، نشهد إعادة اصطفاف تدريجية. ومن منظور انتقال النظام الدولي، قد نكون أمام لحظة مفصلية تسبق تشكل نظام عالمي أكثر تعددية، لكنه أقل استقراراً.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تنجح القوى الكبرى في احتواء التصعيد ضمن حدود الردع؟، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة طويلة من الحروب المتوازية تعيد رسم خرائط النفوذ لعقود قادمة؟
الإجابة لن تتحدد فقط في ميادين القتال، بل في قدرة النظام الدولي على التكيف
مع واقع لم يعد أحادي القطبية، ولم يتبلور بعد في صورة تعددية مستقرة.

الاخبار العاجلة