
بقلم: د. وجدي صادق
لم يعد ما يجري على الحدود الجنوبية يُختزل بعمليات عسكرية أو صواريخ عابرة، بل بات يُفهم في سياق أعمق؛ كأنّ ما يُستنزف اليوم هو ما تبقّى من خيارات سياسية ومساحات مناورة تضيق يوماً بعد يوم. في الجهة المقابلة، يمضي “حزب الله” في إعتماد خطاب تصعيدي يرفع منسوب التحدّي، فيما القاعدة الشعبية في الجنوب، ومعها شريحة واسعة من اللبنانيين، تبدو منهكة من تكرار الأزمات وتراكم الخسارات.
الناس هناك لا تسعى إلى معارك كبرى ولا إلى شعارات عريضة؛ مطلبها أبسط وأكثر إلحاحاً؛ إستقرار يحفظ ما تبقّى من مقوّمات الحياة، يوميات آمنة، وإقتصاد يتيح العمل والعيش بكرامة، و دولة تقوم بدورها في الحماية بدل أن يبقى مواطنوها على تماس دائم مع المخاطر.
هذا التناقض بين خطاب سياسي يتجه نحو مزيد من التشدد، وواقع إجتماعي يرزح تحت وطأة التعب، يفرض تساؤلاً بديهياً حول حدود الإستمرار في النهج ذاته. إلى أي مدى يمكن المضي في سياسات لا تنعكس على أولويات الناس المعيشية؟ وإلى متى يبقى اللبنانيون رهائن حسابات إقليمية لا تلامس إحتياجاتهم المباشرة في الأمان وفرص العمل والتعليم؟ المرحلة الحالية لا تحتمل المكابرة أو تجاهل المؤشرات. المطلوب مقاربة أكثر إتزاناً، تُعيد الإعتبار لصوت المواطنين وتضع مصلحتهم في صدارة القرار. فالدول لا تُدار بمنطق رفع السقوف، بل ببناء مسارات تخفّف الكلفة الإنسانية، وتفتح نافذة نحو غدٍ أكثر إستقراراً وأقل أثماناً.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
