بين الكرم والاستنزاف.. خيط رفيع يفسد العلاقات

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

ليس كل عطاء فضيلة ، وليس كل كرم دليل قوة.
في كثير من العلاقات؛ يبدأ الأمر بنية صافية؛ رغبة في الاحتواء، أو حب في صورته الأولى، أو حتى قناعة بأن العطاء هو الطريق الأقصر للحفاظ على من نحب .. لكن ما لا ننتبه له أن هناك خيطا ً رفيعا ً جدا ً يفصل بين “الكرم” و”الاستنزاف” .. وبين “العطاء” و”إهدار الذات”.

العطاء في جوهره جميل، بل هو أحد أعمدة العلاقات الناجحة، لكنه يفقد قيمته حين يتحول إلى حالة مستمرة بلا وعي، أو حين يصبح وسيلة لإرضاء الآخر على حساب النفس. هنا لا يعود العطاء تعبيرا ً عن الحب؛ بل يتحول تدريجيا ً إلى تنازل غير معلن.

المشكلة لا تظهر فجأة، بل تتسلل بهدوء.
في البداية؛ يُقابل عطاؤك بالامتنان، ثم يتحول إلى توقع، ثم يصبح حقا ً مكتسبا ً في نظر الطرف الآخر .. ومع الوقت، تجد نفسك مطالبا ً بالمزيد، دون أن يُطرح السؤال الأهم: ماذا عنك أنت؟

هنا يبدأ الخلل الحقيقي.
العلاقات لا تقوم على العطاء فقط؛ بل على التوازن.
ليس توازنا ً حسابيا ً باردا ً، بل توازن في الاهتمام، في التقدير، في الإحساس بأن ما يُمنح يُقابله إدراك لقيمته، حتى وإن لم يكن بنفس الشكل.
وحين يختل هذا التوازن، لا يربح أحد.
فالطرف الذي يعطي كثيرا ً يُرهق، والطرف الذي يعتاد الأخذ يفقد القدرة على التقدير.
والأخطر من ذلك؛ أن الإفراط في العطاء أحيانا ً لا يكون نابعا ً من قوة، بل من خوف.
خوف من الفقد، أو من الرفض، أو من أن يتغير الآخر إذا توقّفنا عن العطاء .. وهنا تتحول العلاقة من مساحة راحة إلى ساحة قلق مستمر، يُدار فيها الحب بمنطق “ماذا لو توقفت؟”.

العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى هذا القلق، لأنه ببساطة لا يُقدَّم تحت تهديد الفقد.

إن الحدود في العلاقات ليست قسوة؛ بل وعي أن تعرف متى تُعطي، ومتى تتوقف، ومتى تقول “يكفي” دون شعور بالذنب، هذا ليس أنانية، بل احترام للنفس، وهو الشرط الأول لأي علاقة صحية.

ليس المطلوب أن نقلل العطاء؛ بل أن نُعيد فهمه .. أن نعطي ونحن قادرون، لا ونحن مُنهكون .. أن نعطي لأننا نريد، لا لأننا نخاف، وأن نحتفظ بجزء من أنفسنا لأنفسنا، لا أن نُفرغها بالكامل في الآخر.

في النهاية ؛؛
ليست المشكلة في الكرم، بل في غياب الوعي به.
فبين الكرم والاستنزاف خيط لا يُرى .. لكن نتائجه تُرى بوضوح في علاقات بدأت جميلة وانتهت لأنها لم تعرف متى تتوازن.

الاخبار العاجلة