
هل يتغير ميزان القوة في البحر الأحمر لصالح مصر؟
بقلم لواء مصطفى زكريا
لم يكن البحر الأحمر يومًا مجرد مسطح مائي يفصل بين قارتين، بل كان عبر التاريخ أحد أهم مفاتيح النفوذ في العالم. فمن يسيطر على طرق الملاحة فيه يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة بين الشرق والغرب، وهو ما جعل هذه المنطقة دائمًا محط أنظار القوى الكبرى والدول الإقليمية على حد سواء.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات متسارعة أعادت البحر الأحمر إلى صدارة المشهد الجيوسياسي العالمي، ليس فقط بسبب أهميته التجارية، بل أيضًا نتيجة التوترات الأمنية والتحركات السياسية التي تشهدها المنطقة الممتدة من باب المندب جنوبًا حتى قناة السويس شمالًا.
وتُعد قناة السويس القلب الحقيقي لهذه المعادلة. فهي ليست مجرد ممر مائي اختصر الطريق بين آسيا وأوروبا، بل تمثل أحد أهم الشرايين التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في حركة الطاقة والتجارة. ولهذا فإن أي اضطراب في محيط البحر الأحمر ينعكس فورًا على حسابات القوى الدولية، ويعيد تسليط الضوء على الدولة التي تملك مفاتيح هذا الممر الحيوي، وهي مصر.
خلال السنوات الماضية سعت عدة دول إقليمية إلى تعزيز حضورها في الموانئ والممرات البحرية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، سواء عبر الاستثمارات الاقتصادية أو عبر الاتفاقيات العسكرية واللوجستية. وقد أدى هذا الحضور المتزايد إلى خلق شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، حيث أصبح كل ميناء أو قاعدة بحرية جزءًا من معادلة النفوذ في هذه المنطقة الحساسة.
لكن المفارقة أن هذه التحركات المتعددة قد تعيد، بشكل غير مباشر، إبراز الدور المحوري لمصر في معادلة البحر الأحمر. فبينما تتنافس الدول على النفوذ في الموانئ البعيدة، تظل القاهرة تمتلك الموقع الجغرافي الأكثر تأثيرًا بحكم سيطرتها على المدخل الشمالي لهذا الممر البحري عبر قناة السويس.
كما أن التوترات التي شهدتها بعض مناطق البحر الأحمر في الآونة الأخيرة أعادت التأكيد على حقيقة استراتيجية قديمة؛ وهي أن أمن هذا الممر لا يمكن ضمانه دون دور مصري فاعل. فالقوة البحرية المصرية، إلى جانب الموقع الجغرافي الفريد للدولة، يمنحان القاهرة قدرة خاصة على التأثير في معادلات الأمن الملاحي في المنطقة.
إلى جانب ذلك، فإن التحولات التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب أدوار القوى الإقليمية المطلة على البحر الأحمر. فالتنافس على الموانئ والطرق التجارية، إلى جانب الأزمات السياسية التي تعانيها بعض دول المنطقة، يجعل من الضروري البحث عن توازنات جديدة تضمن استقرار الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا السياق تبدو مصر مرشحة للعب دور أكبر خلال السنوات المقبلة، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل أيضا ً نتيجة التطور الذي شهدته بنيتها البحرية والعسكرية في العقد الأخير، إضافة إلى خبرتها الطويلة في إدارة واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
غير أن الحديث عن تغير ميزان القوة في البحر الأحمر لا يعني بالضرورة تراجع دور الآخرين، فهذه المنطقة بطبيعتها ساحة تفاعل بين عدة قوى إقليمية ودولية. لكن ما قد يتغير هو شكل هذا التوازن، بحيث يصبح الدور المصري أكثر حضورًا في معادلة الأمن الملاحي والاستقرار الإقليمي.
إن البحر الأحمر اليوم يقف عند لحظة إعادة تشكيل هادئة في خرائط النفوذ، لحظة لا تُعلن عن نفسها بصخب، لكنها تتشكل تدريجيًا عبر التحركات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المنطقة.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالبًا ما يعود الموقع الجغرافي ليؤكد قيمته التي لا يمكن استبدالها. ومصر، بحكم موقعها وإدارتها لقناة السويس، تظل واحدة من الدول القليلة القادرة على التأثير في مستقبل هذا الممر الحيوي.
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ميزان القوة في البحر الأحمر سيتغير، بل كيف سيُعاد تشكيل هذا الميزان في السنوات المقبلة، ومن ستكون له القدرة على توجيه مساره في عالم تتزايد فيه أهمية طرق التجارة والممرات البحرية.
بهذا المقال تكتمل سلسلة “ما وراء الضجيج ؛؛؛ ثلاث قراءات في صراعات النفوذ بالمنطقة”.
حاولت هذه السلسلة النظر إلى ما يحدث في منطقتنا من ثلاث زوايا مترابطة؛ بدءًا من الفضاء الرقمي حيث تتشكل الروايات وتُدار معارك التأثير، مرورا ً بالحملات الإعلامية التي تعكس صراعات المصالح بين الدول، وصولا ً إلى التحولات الأعمق في موازين النفوذ في البحر الأحمر.
وربما لا تكون هذه القراءات إجابات نهائية بقدر ما هي محاولة لفهم ما يجري خلف الضجيج اليومي للأخبار؛ حيث تتشكل أحيانًا التحولات الكبرى بهدوء، قبل أن تظهر آثارها بوضوح على خريطة المنطقة والعالم.
