تتجه الأنظار، الخميس، إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث يخوض المرشحون الستة لمنصب الأمين العام أول مناظرة علنية في قاعة الجمعية العامة، قبل أسبوع واحد من انطلاق أول جولة تصويت غير رسمية داخل مجلس الأمن، في محطة ينظر إليها باعتبارها بداية المرحلة الحاسمة لاختيار خليفة الأمين العام الحالي “أنطونيو غوتيريش”.
وتشارك في المناظرة، التي تستضيفها الجمعية العامة وتبثها وكالة “بلومبرج”، كل من الرئيسة التشيلية السابقة “ميشيل باشليه”، والإكوادورية “ماريا فرناندا إسبينوزا”، والأرجنتيني “رافاييل جروسي” مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والكوستاريكية “ريبيكا جرينسبان”، والجويانية “كارولين رودريغيز-بوركيت”، والرئيس السنغالي السابق “ماكي سال”، حيث سيجيب المرشحون لمدة 90 دقيقة عن أسئلة الدبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة وممثلي المجتمع المدني.
وقالت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، “أنالينا بيربوك”، إن المناظرة تمثل فرصة نادرة للتعرف على رؤية المرشحين وأولوياتهم لقيادة المنظمة الدولية في مرحلة تواجه فيها تحديات غير مسبوقة، مؤكدة أن الأمم المتحدة تحتاج إلى قيادة قادرة على الدفاع عن مبادئ السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية في عالم يشهد تصاعدًا في الأزمات والانقسامات.
وتأتي المناظرة في وقت تمر فيه الأمم المتحدة بإحدى أصعب مراحلها، مع استمرار الأزمة المالية التي تعانيها المنظمة، وتزايد الانتقادات الموجهة إليها، خاصة من الإدارة الأمريكية، التي تطالب بإعادة تركيز عمل الأمم المتحدة على ملفات السلم والأمن، وتقليص ما تصفه بتداخل المهام وارتفاع النفقات، بينما تتمسك دول أخرى بضرورة الحفاظ على التوازن بين الأركان الثلاثة لعمل المنظمة.
ورغم أن المناظرة تمثل أول ظهور علني يجمع المرشحين، فإن الأنظار تتجه أيضًا إلى الحسابات السياسية التي تحكم السباق، إذ يدرك المتنافسون أن حسم المنصب لن يتم على المنصة، بل داخل أروقة مجلس الأمن، حيث تمتلك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض، ما يجعل أي مرشح حريصًا على تجنب الدخول في مواقف قد تستفز واشنطن أو موسكو أو بكين أو باريس أو لندن.
ويرى مراقبون أن المرشحين سيحاولون خلال المناظرة تقديم أنفسهم باعتبارهم شخصيات توافقية أكثر من كونهم أصحاب مواقف صدامية، خصوصًا أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة قادرة على إدارة أزمات دولية متشابكة، تمتد من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط والأزمات الإنسانية المتفاقمة في عدة مناطق.
وفي خضم هذه المنافسة، يبرز اسم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأرجنتيني رافاييل جروسي، بوصفه أحد أكثر المرشحين حضورًا في التقديرات الأولية.
ويذهب عدد من المحللين إلى أن الحضور الدولي الذي اكتسبه جروسي خلال قيادته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا سيما في إدارة الملف النووي الإيراني، عزز من صورته كأحد أكثر المرشحين حظوظا، فيما تذهب تحليلات دبلوماسية إلى أن مواقفه المتشددة تجاه البرنامج النووي الإيراني قد تمنحه قبولًا داخل بعض الدوائر الغربية، خاصة في الولايات المتحدة، وإن كانت أي من القوى الكبرى لم تعلن حتى الآن موقفًا رسميًا من المرشحين.
في المقابل، يدخل الرئيس السنغالي السابق ماكي سال المناظرة مدعومًا بإعلان رسمي من بلاده، التي قررت تبني ترشيحه وتحويله إلى مرشح تدافع عنه دبلوماسيًا في المحافل الدولية.
ويعول “سال” على خبرته في رئاسة السنغال والاتحاد الإفريقي، إلى جانب شبكة علاقاته داخل القارة، في محاولة لتحويل الدعم السنغالي إلى تأييد إفريقي أوسع، رغم أن الاتحاد الإفريقي لم يعلن حتى الآن تبني أي مرشح رسمي للمنصب.
ولا تقتصر أهمية المناظرة على الرسائل التي سيقدمها المرشحون، بل تمتد إلى قدرتهم على إقناع الدول الأعضاء بأن لديهم رؤية لإصلاح المنظمة واستعادة الثقة في دورها، خاصة مع تصاعد الانتقادات لعجز الأمم المتحدة عن احتواء عدد من الأزمات الدولية.
ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن في 30 يوليو/تموز أول جلسة تصويت استطلاعية سرية لاختيار الأمين العام المقبل، على أن تتبعها جولات تصويت متتالية إلى أن ينجح أحد المرشحين في الحصول على تأييد تسعة أعضاء على الأقل، دون اعتراض أي من الدول الخمس دائمة العضوية، قبل رفع اسمه إلى الجمعية العامة لاعتماده رسميًا، تمهيدًا لتوليه مهام منصبه في الأول من يناير 2027.
وبين مناظرة الخميس والتصويت السري المرتقب، تبدو المنافسة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في سباق لا تحسمه الخطابات وحدها، بل موازين القوى والتفاهمات الدبلوماسية التي ستتشكل خلف أبواب مجلس الأمن خلال الأسابيع المقبلة.














