أمريكا وإيران.. وفن الحرب

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
حاتم عبد القادر
حاتم عبد القادر

بقلم: حاتم عبد القادر

شنت الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلي هجمات مكثفة على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، في حرب جديدة خلال ثمانية أشهر، بعد حرب الإثنى عشر يوما في يونيو 2025.

وجاءت التقديرات الأمريكية هذه المرة مخيبة لظنونها التي وهمت أنها في نزهة في منطقة الشرق الأوسط، وأنها بمجرد شن غاراتها الجوية على إيران ستحقق هدفها الاستراتيجي وهو القضاء على برنامجها النووي، وأن تسلم إيران ما لديها من اليورانيوم المخصب، وألا تحلم مجددا بهذا المجد النووي.

وبنت أمريكا، بقيادة رئيسها دونالد ترامب، تقديراتها على الأزمات الداخلية في إيران، وموجات الاحتجاجات التي تندلع من وقت لآخر، والضغوط الاقتصادية الخانقة التي يعانيها الشعب الإيراني، علاوة على ملفات عديدة من الحريات والممارسات السياسية واتجاهات الإصلاحيين داخل النظام الإيراني والمعارضة سواء في الداخل أو الخارج الإيراني.ظنت أمريكا أن الطريق خاليا أمامها، وأن مغازلتها للشعب للإيراني بأن الحرب على إيران بهدف إسقاط النظام الحاكم، ومساعدة الشعب من ظلم وتحكم هذا النظام.

وكانت المفاجأة، أن الداخل الإيراني ظهر متماسكا مع نظامه في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المدعومة بالضربات الاستراتيجية من الحليف الأمريكي، ما جعل الحرب تستنزف قدرات الطرفين لمدة 40 يوما دون منتصر مطلق أو منهزم مطلق.

ففي الوقت الذي كبدت فيه أمريكا إيران خسائر عسكرية واقتصادية باهظة، ألحقت أيضا إيران خسائر لا يستهان بها إلى الطرف الأمريكي، علاوة على تلطيخ قوته وسمعته السياسية أمام حلفائه والمجتمع الدولي.

لقد تفاخرت أمريكا بتدمير معظم القدرات العسكرية الإيرانية وخاصة في قدرتها الصاروخية الباليستية التقليدية وهي أشهر أسلحتها، كذلك تدمير قدرتها البحرية بشكل كبير، كما أعلنت تدميرها لجزء كبير لبرنامجها النووي، وبهذا ترى أنها انتصرت في الحرب وحققت أهدافها÷ وهو ما يتفاخر به “ترامب” في كل تصريحاته (وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا الهدنة وتوقف الحرب لمدة أسبوعين والجلوس على مائدة المفاوضات بوساطة باكستانية؟!).

في المقابل، نرى أن أمريكا ألحقت بأمريكا بخسائر وضربات وموجعة لقواعدها في منطقة الخليج العربي وخاصة قاعدة العديد في دولة قطر وهي أكبر قاعدة أمريكية في منطقة الشرق الأوسط.، فقد أحدثت ضررا بالغا بأنظمة الرادار والطائرات في تلك القواعد بتكلفة عشرات المليارات من الدولارات. كما وجهت إيران ضربات صاروخية لجميع دول الخليج العربي استهدفت البنية التحتية، والمطارات، ومواقع لإنتاج ومصافي النفط.

لم تتوقف إيران عند هذا الحد، بل استخدت ورقتها الاستراتيجية (اقتصاديا) وأغلقت مضيق هرمز البحري، والذي تمر منه خمس تجارة العالم من النفط، ما أشعل أسعار النفط وتبعه ارتفاعا قياسيا في أسعار السلع والخدمات وسلاسل الإمداد والتوريد في مختلف أنحاء العالم. وهنا ترى إيران وعدد كبير من المحللين بأن هذا يعد نصرا، بل ويتجاوز النصر العسكري الذي حققته أمريكا.

الصمود الإيراني كان مفاجأة أمام أمريكا التي بدت بمفردها في هذه الحرب، فلم تشاركها أي دولة من حلفاء حزب شمال الأطلسي (الناتو)، بل منعوا طائراتها الحربية من المرور بالمجال الجوي للدول الأعضاء لضرب إيران، ولعل الحكمة التي تمتعت باه دول الخليج العربي كانت المفاجأة الأكبر، فلم تتهور دولة خليجية واحدة في الرد على الهجوم الإيراني، فقد فطنوا إلى الفخ الأمريكي الإسرائيلي إلى جر دول الخليج والمنطقة إلى حرب مفتوحة ومتعددة الأطراف مع إيران، بما يجر المنطقة إلى حرب إقليمية أو عالمية ثالثة.

وبمرور 40 يوما على الحرب، رأت أمريكا مخرجا لها تمثل في إعلانها هدنة لمدة 14 يوما لوقف إطلاق النار بدأت في الثامن من إبريل الجاري ةتنتهي في 22 من الشهر ذاته بوساطة كل من مصر والسعودية وباكستان وقطر وتركيا.
وبتحليل المشهد الحاصل على مدار 40 يوما من الحرب بين أمريكا وإيران، فلا يمكن القول أن هناك طرفا من الطرفين حقق النصر المطلق أو طرفا مني بالهزيمة المطلقة، فكلا الطرفين حقق النصر والهزيمة في وقت واحد في مواطن مختلفة.

ففي الوقت الذي اعتمدت فيه أمريكا على قوتها العسكرية، وأنها القطب الأكبر والأكثر تأثيرا والتحكم في موازين القوى العالمية سياسيا واقتصاديا، إلا أنها لم تقم بدراسة العقل الإيراني قبل إقدامها على مغامرة عسكرية غير محسوبة وغير محسومة، فالعقل الإيراني واحد من العقول التي تتمتع بالدهاء والذكاء وسياسة النفس الطويل في الحرب والسياسة والتفاوض (بغض النظر عن حسابات المكسب والخسارة)، فالجلد الإيراني في كل مساراته هو في حد ذاته مكسب ويأتي بثمار يعرفها جيدا من تعامل مع الإيرانيين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، العقيدة الدينية والسياسية لدى العقل الإيراني من الأمور التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار وأنت تتعامل معها، فهي عقيدة استشهادية في كل مواقفها، وصعب التخلي عنها، فلها مبادئ وأدبيات ومرجعيات حاكمة وتراها واحدة حتى بين المؤيدين والمعارضين داخل بنية الدولة الإيرانية.

من ينظر إلى حرب الأربعين يوما ويقيسها على المبادئ التي وضعها الفيلسوف الصيني والعسكري الكبير سون تزو، وهو جنرال عسكري قديم، ويعد أبرز من وضع مؤلفا عن الاستراتيجيات التي استخدمها العسكريون في التخطيط للحروب منذ أكثر من 2500 عاما هي عمر الكتاب الذي كتبه “تزو” بعنوان “فن االحرب”.. سيجد أن جميع القواعد التي وضعها “تزو” في هذا الكتاب تم تحقيقها في تلك الحرب، وسيرى أن القواعد لصالح إيران!

فقد تمحور كتاب “فن الحرب” على تحقيق النصر على العدو بأقل تكلفة ممكنة، كذلك الخداع في الحرب وهو واحد من الفنون التي يجب أن يبرزها أحد الطرفين للآخر، وهو ما حققته إيران بإظهار ضعفها في بدايات الحرب، حتى استخدمت ورقة مضيق هرمز وقامت بإغلاقه أمام السفن الأمريكية واستهدافها، مما شكل ضغطا اقتصاديا هائلا على الشركات الأمريكية في المنطقة وفي أمريكا، ومعروف أن تلك الشركات الكبرى هي من تشارك في صنع القرار الأمريكي، وبسبب ضغطها كان اضطرار أمريكا بقبول الهدنة ووقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.

أيضا معرفة العدو من حيث نقاط ضعفه ونقاط قوته، فقد قامت به إيران، وهي على علم تام بمدى نقاط القوة والضعف لدى الطرف الأمريكي والإسرائيلي، وقبل ذلك نقاط ضعفها وقوتها ذاتها، وقد ظهر جليا أثناء الجولة الأولى للمفاوضات في العاصمة الباكستانية “إسلام آباد” والتي انتهت بالفشل، حيث لم تخنع إيران لكامل الشروط الأمريكية التي رأت فيها مساسا بسيادتها وانتقاصا من كرامتها.

ظلت إيران تناور وتخادع وظلت تنتظر عمليات الإنزال البري للجيش الأمريكي لاصطياده في أرضها التي تتمتع بجغرافيا وتضاريس وعرة يصعب على الجنود الأمريكيين تحقيق النصر في مواجهات برية، ولعل هناك أمثلة كثيرة لم تنتصر فيها أمريكا في نهاية المطاف، فقد خرجت من فيتنام والعراق وأفغانستان وحتى الصومال والنيجر وهي تجر ذيول خيبتها. فتواجد أمريكا في أي نقطة في العالم لا يكون من أجل الحماية ولكن من أجل السيطرة والاستيلاء على الثروة لتحقيق مصالحها.

إن تصريحات “ترامب” المتكررة عن النصر، ليست أكثر من دعاية جوفاء، وكلام من باب حفظ ماء الوجه، فقبل انتهاء الهدنة بخمسة أيام يكرر “ترامب” حديثه عن النصر على إيران، وأنها ماضية في تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب لإنهاء برنامجها النووي، وفي ذات الوقت يشيد بإيران وقوتها، حيث قال في تصريحات في تجمع له في ولاية لاس فيجاس بولاية نيفادا يوم الجمعة 17 أبريل الجاري “بلد قوي وذكي وتمتلك مقاتلين أشداء”.
لقد أجبرت إيران “ترامب” على احترامها واضطراره إلى استراحة محارب لمراجعة وتقدير موقفه في هدنة تشير المؤشرات إلى تجددها ومواصلة الجهود الدبلوماسية لوضع نهاية للمأزق الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وكيفية الخروج منه بسلام، حيث قال “ترامب”، “الحرب في إيران ستنتهي قريبا للغاية”، مشددا على أن الأداء العسكري الأمريكي كان “مثاليا”، وهي تصريحات تؤكد مدى الخسائر التي تكبدها الجيش الأمريكي والتي وصلت في الأسبوع الأول فقط حوالي 11 مليار دولار، فلا تخرج من طرف منتصر بهذا الشكل في ظل بقاء الطرف الإيراني متماسكا.

لقد جهلت أمريكا فنون الحرب مع إيران، وتسرعت في قرارها الذي جاء منقوص الدراسة ودراسة الموقف، ولعل هو ما تقوم به الدوائر الأمريكية حاليا لإنقاذ الموقف وإعادة ضبط الأمور.

الاخبار العاجلة