
بقلم: مصطفى زكريا
هناك ملفات تبدو للبعض هامشية، لأنها لا تتصدر نشرات الأخبار ولا تشغل الجدل اليومي، لكنها في الحقيقة تمس جوهر الدولة واستقرار المجتمع على المدى البعيد. ومن أخطر هذه الملفات قضية المشردين ومجهولي الهوية، أولئك الذين يعيشون في الشوارع، وتحت الكباري، وبجوار إشارات المرور، وعلى أطراف العشوائيات، خارج أي إطار منظم، وخارج أي قاعدة بيانات دقيقة.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمشهد إنساني مؤلم، بل بفراغ إداري واجتماعي وأمني شديد الحساسية؛ فحين يوجد أشخاص لا تملك الدولة معلومات واضحة عنهم، ولا يحمل بعضهم أوراقا ً رسمية، ولا يعرف بعض الأطفال أسرهم أو أصولهم، فإننا نكون أمام مساحة رمادية قابلة للتفاقم مع الوقت.
جزء من هؤلاء ضحايا فقر، أو تفكك أسري، أو اضطرابات نفسية، أو إدمان، أو فقدان رعاية، وتكاثر غير شرعي .. وتركهم في الشارع سنوات طويلة قد يدفع بعضهم إلى مسارات أخطر، مثل الجريمة الصغيرة، أو شبكات التسول المنظم، أو تجارة المخدرات، أو الاستغلال في أعمال غير مشروعة .. وهنا تنتقل القضية من ملف اجتماعي إلى ملف يمس الأمن العام مباشرة.
الأكثر خطورة أن الأطفال الذين ينشأون في هذا المناخ قد يكبرون بلا تعليم، وبلا انتماء، وبلا ثقة في المجتمع، فيتحول الإهمال الحالي إلى أزمة مستقبلية؛ فالدولة التي تترك الإنسان يسقط خارج المنظومة، قد تجده لاحقا ً يعود إليها في صورة تهديد اجتماعي أو أمني أو اقتصادي.
إن الحل لا يكون بحملات موسمية، ولا بنقل الأشخاص من مكان إلى آخر، ولا بإنشاء ملاجئ شكلية تتحول إلى أماكن نوم مجانية يخرج منها البعض نهارا ً للتسول أو المخالفات ثم يعودون ليلا ً للراحة .. هذا لا يحل المشكلة، بل يعيد تدويرها.
المطلوب هو الانتقال من مفهوم “الإيواء” إلى مفهوم “التأهيل والإنتاج والانضباط”. أي إنشاء مراكز حضارية حقيقية، تُدار بعقل الدولة، وتجمع بين الرعاية، والتنظيم، والتدريب، والانضباط، وإعادة الدمج في المجتمع.
وفي ظل محدودية الإمكانات، لا يشترط البدء بمشروعات ضخمة ومكلفة، بل يمكن استغلال الأصول القائمة غير المستغلة، من مبانٍ حكومية مهجورة، أو منشآت قديمة قابلة للتطوير، وتحويلها إلى مراكز موزعة جغرافيا ً وفق الاحتياج، بدلا ً من تركز الأزمة في العاصمة وحدها.
كما ينبغي أن تضم هذه المراكز ورش عمل إنتاجية فعلية، في مجالات بسيطة وقابلة للتوسع، مثل الخياطة، والتعبئة، والتغليف، والأشغال اليدوية، وإعادة التدوير، والمشاتل، وبعض الصناعات الخفيفة. ويتم تسويق المنتجات عبر منافذ ومعارض تتبع وزارة التضامن الاجتماعي، بما يخلق دورة اقتصادية مستدامة.
ويُخصص الجزء الأكبر من العائد لدعم تشغيل المنظومة وتوسيعها، بينما يُودع الجزء المخصص للعاملين من المقيمين في حسابات ادخارية بأسمائهم، لتكون نواة لمشروع صغير أو بداية مستقلة بعد انتهاء فترة التأهيل .. وبذلك ننتقل من منطق “الإعالة” إلى منطق “صناعة الفرصة”.
ولضمان الجدية؛ يجب أن تخضع هذه المراكز لنظام دخول وخروج منضبط، وقواعد متابعة دقيقة، وبرامج إلزامية للعلاج والتعليم والتدريب، مع تصنيف الحالات إلى أطفال، وكبار سن، ومرضى، ومدمنين، وقادرين على العمل، حتى يحصل كل فرد على المسار المناسب له.
التوصيات المقترحة للدولة:
أولا ً: إطلاق حصر قومي شامل للمشردين ومجهولي الهوية في جميع المحافظات.
ثانيا ً: إنشاء قاعدة بيانات موحدة تتضمن البصمة الحيوية والصور والبيانات المتاحة.
ثالثا ً: استغلال المباني الحكومية غير المستخدمة وتحويلها إلى مراكز تأهيل وإنتاج.
رابعا ً: إنشاء ورش عمل داخل المراكز مرتبطة بخطة تسويق رسمية.
خامسا ً: فتح حسابات ادخارية للمقيمين تُستخدم كبداية بعد التخرج من البرنامج.
سادسا ً: تشديد العقوبات على شبكات استغلال الأطفال والمشردين في التسول والجريمة.
سابعا ً: تخصيص برامج عاجلة للأطفال بلا مأوى تشمل التعليم والحماية النفسية.
ثامنا ً: المتابعة الأمنية والإدارية الصارمة لمنع تحول المراكز إلى بؤر فوضى.
في النهاية ؛؛؛ الدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وكباري، بل أيضا ً بقدرتها على إنقاذ الإنسان الذي سقط خارج الطريق .. فالمشرد إذا أُهمل صار أزمة، وإذا أُعيد بناؤه صار طاقة جديدة لوطنه.
