باريس والجزائر: تقارب حذر يفتح باب “تطبيع مشروط” وسط إرث تاريخي ثقيل وخلافات عالقة

منذ ساعتينآخر تحديث :
باريس والجزائر: تقارب حذر يفتح باب “تطبيع مشروط” وسط إرث تاريخي ثقيل وخلافات عالقة
روان محمود

تتجه العلاقات الفرنسية–الجزائرية إلى مرحلة جديدة تتسم بتقارب حذر وإعادة فتح قنوات الحوار، وسط تساؤلات حول إمكانية الانتقال من التوترات المتكررة إلى مسار تطبيع تدريجي، رغم استمرار الملفات الخلافية العميقة بين الجانبين.

ويأتي هذا الحراك بعد الأزمة التي تفجرت صيف 2024 عقب رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي، والتي تبنى فيها موقف الرباط بشأن الصحراء الغربية، ما أثار تحفظات قوية لدى الجزائر.

وفي خطوة لافتة، كلف ماكرون الوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو بمهمة دبلوماسية وُصفت بأنها “حساسة”، بهدف إعادة تفعيل الحوار مع الجزائر وبناء أرضية مشتركة للعلاقات الثنائية.

وتزامنت هذه المهمة مع مشاركة فرنسية في مراسم إحياء ذكرى أحداث 8 مايو في مدينة سطيف، التي تعرف في الذاكرة الجزائرية باسم “مجازر 1945”، حيث قُدّرت أعداد الضحايا بعشرات الآلاف خلال قمع المظاهرات المطالبة بالاستقلال.

وأكد بيان الرئاسة الفرنسية أن التعامل مع هذه الصفحة التاريخية يمثل “مسؤولية أخلاقية”، وأن الهدف هو بناء علاقات قائمة على الثقة والمصلحة المشتركة بين الشعبين.

وخلال الزيارة، شاركت روفو نظيرها الجزائري عبد المالك تشريف في مراسم رسمية شملت وضع أكاليل الزهور في مواقع تذكارية، في خطوة تعكس محاولة لتخفيف التوتر في ملف الذاكرة التاريخية، أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين.

وفي موازاة ذلك، تعمل باريس على إعادة تنشيط القنوات الدبلوماسية، بما في ذلك عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، ضمن مقاربة براغماتية تهدف إلى استعادة الحوار السياسي والاقتصادي.

كما شهدت الأشهر الأخيرة تحركات تمهيدية، من بينها زيارات دبلوماسية متبادلة، ومبادرات تهدف إلى تخفيف التوتر في ملفات الهجرة والتعاون القنصلي، إضافة إلى وساطات أوروبية أسهمت في تهدئة بعض الأزمات، بينها الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال.

ورغم هذا الانفتاح النسبي، لا تزال العلاقة محكومة بتوازنات دقيقة، إذ يبقى ملف الصحراء الغربية أحد أبرز نقاط الخلاف، إلى جانب قضايا الذاكرة الاستعمارية والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.

كما يؤكد مراقبون أن العلاقة بين باريس والجزائر ترتبط بشكل وثيق بالعلاقات الفرنسية مع الرباط، ما يجعل أي تحول في أحد المسارين ينعكس مباشرة على الآخر، ويزيد من تعقيد المعادلة الدبلوماسية.

وفي ظل التوترات الإقليمية وأزمة الطاقة العالمية، تتزايد أهمية الجزائر كشريك استراتيجي لفرنسا وأوروبا، ما يدفع باتجاه إعادة تقييم العلاقة على أسس أكثر براغماتية.

وبين مؤشرات الانفتاح السياسي وبقاء ملفات الخلاف التاريخية، تبدو العلاقات الفرنسية–الجزائرية أمام “منعطف جديد” لا يضمن استقراراً دائماً، لكنه يفتح الباب أمام إمكانية إعادة بناء الثقة تدريجياً، في حال استمرار مسار التهدئة وتجنب التصعيد.

الاخبار العاجلة