
بقلم: مصطفى زكريا
يقول الفيلسوف آرثر شوبنهاور:
“إن أردت أن ترى الوجه الحقيقي لشخص ما ؛؛؛ هدّد مصالحه.”
ورغم قسوة العبارة، إلا أنها تحمل قدرا ً كبيرا ً من الحقيقة التي تؤكدها الحياة كل يوم.
فالإنسان في الظروف العادية يستطيع أن يبدو مثاليا ً.
يمكنه أن يتحدث عن الأخلاق، والوفاء، والمبادئ، والاحترام، والإنسانية.
وقد ينجح لسنوات في رسم صورة هادئة ومتزنة عن نفسه.
لكن الاختبار الحقيقي لا يظهر في أوقات الراحة، بل في لحظات التهديد.
حين يشعر البعض أن نفوذهم قد يهتز، أو أن مكاسبهم قد تتراجع، أو أن مكانتهم أصبحت مهددة، تبدأ الأقنعة في السقوط تدريجيا ً.
فجأة ؛ يتحول الهدوء إلى عصبية، والدبلوماسية إلى هجوم،ًوالعقلانية إلى تبرير،ًوالصداقة إلى خصومة.
ليس لأن الشخصية تغيّرت فجأة، بل لأن الموقف كشف ما كان مختبئا ً خلف طبقات المجاملة والمصلحة المشتركة.
ولهذا ؛ فإن كثيرا ً من العلاقات تبدو مستقرة ما دامت المصالح متوازنة.
لكن بمجرد أن يحدث تعارض بين “القيم” و”المكاسب” ؛ يبدأ الفرز الحقيقي.
فهناك من يتمسك بأخلاقه حتى وهو خاسر .. وهناك من يبيع كل شيء مقابل الحفاظ على امتياز أو موقع أو منفعة.
والمشكلة أن بعض الناس لا يدركون أنهم مع الوقت يتحولون إلى أسرى لمصالحهم
فيبدؤون بتبرير أي تصرف، وتجميل أي خطأ، ومهاجمة أي شخص يقترب من المنطقة التي تحقق لهم النفوذ أو المكاسب.
فتصبح المصلحة عندهم أعلى من الحقيقة، والولاء للمكسب أقوى من الولاء للمبدأ.
لكن في المقابل ؛ هناك نوع آخر من البشر، تستطيع أن تختلف معه، أو حتى تهدد جزءا ً من مصالحه، ورغم ذلك يبقى محترما ً ومتزنا ً وعادلا ً.
لا يكذب، لا يخون، لا يطعن، ولا يتحول إلى شخص آخر تحت الضغط.
وهؤلاء تحديدا ً هم أصحاب القيم الحقيقية، لأن الأخلاق لا تُقاس وقت المكاسب، بل تُقاس حين يصبح الالتزام بها مكلفا ً.
فليس عظيما ً من يبدو محترما ً حين تكون الدنيا لصالحه، بل من يظل محترما ً حتى وهو غاضب، وخاسر، ومهدد، وقادر على الأذى لكنه يرفضه.
وفي النهاية ؛؛
الحياة لا تكشف الناس بالكلام، بل بالمواقف التي تمس مصالحهم مباشرة .. فهناك من تسقطه أول خسارة، وهناك من يكشف المعدن الحقيقي داخله أول اختبار.
ولعل أخطر ما قد يواجهه الإنسان ؛ ليس أن يخسر مصلحة، بل أن يخسر نفسه وهو يحاول حمايتها.
