الذكاء الاصطناعي.. بين مراقبة العالم وحماية الأمن وتهديد الإنسان

منذ 14 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

لم يعد العالم كما كان قبل سنوات قليلة. فالمدن التي امتلأت بالكاميرات في الشوارع والميادين لم تعد تكتفي بتسجيل ما يحدث، بل أصبحت قادرة على فهمه وتحليله وربما التنبؤ به ؛ لم تعد الكاميرا مجرد عينٍ صامتة ترصد المشهد، بل تحولت إلى جزء من منظومة رقمية هائلة تمتلك القدرة على قراءة الصور وربطها بالمعلومات وتحويلها إلى قرارات.
هذا التحول لم يكن نتيجة تطور الكاميرات وحدها، بل جاء مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب منظومة تحليل البيانات في العالم ؛ فالمشكلة لم تكن يوما ً في نقص المعلومات، بل في قدرة الإنسان على تحليلها. اليوم تستطيع الخوارزميات تحليل ملايين الصور ومقاطع الفيديو في دقائق، وربط الوجوه بالتحركات والأنماط السلوكية في شبكة معلومات واسعة تمتد عبر المدن والدول.

في هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في عمل الأجهزة الأمنية حول العالم ؛ فبفضل قدرته على تحليل البيانات الضخمة يمكنه تتبع تحركات المشتبه بهم، وربط المعلومات المتفرقة ببعضها، واكتشاف أنماط سلوكية قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها .. وقد ساهمت هذه التقنيات بالفعل في كشف جرائم معقدة، وتفكيك شبكات إرهابية، ومنع هجمات قبل وقوعها في أكثر من دولة.

غير أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا ً على كشف الجرائم أو تعقب الشبكات الإجرامية فحسب، بل تشير تحليلات أمنية عديدة إلى أن هذه التقنيات أصبحت جزءاً من منظومات رصد وتتبّع أكثر تعقيدا ً ؛ فبفضل القدرة على تحليل آلاف الكاميرات المنتشرة في المدن، وربطها ببيانات السفر والاتصالات والأنشطة الرقمية، أصبح من الممكن رسم خريطة دقيقة لتحركات بعض الشخصيات خلال فترات زمنية قصيرة .. هذه القدرة على الربط بين مصادر المعلومات المختلفة تمنح الجهات التي تمتلك هذه التكنولوجيا مستوى غير مسبوق من الدقة في فهم حركة الأفراد ومساراتهم اليومية.

وقد دفع هذا التطور بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن طبيعة العمليات الأمنية الحساسة في العالم تغيّرت جذريا ً خلال السنوات الأخيرة. فبدل الاعتماد الكامل على العمل الاستخباراتي التقليدي، أصبح تحليل البيانات الضخمة جزءا ً من منظومات تحديد الأهداف ومتابعة تحركاتها. ولهذا لم يعد مستغربا ً أن تُطرح تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في بعض العمليات المعقدة التي شهدتها المنطقة والعالم، سواء تلك التي استهدفت قيادات سياسية أو عسكرية أو شخصيات مؤثرة، حيث تشير تقديرات عديدة إلى أن تحليل الكاميرات والبيانات الرقمية أصبح عنصرا ً مهما ً في فهم تحركات الأهداف بدقة غير مسبوقة.

لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد ؛ فالتكنولوجيا التي تُستخدم لحماية الأمن يمكن أن تتحول بسهولة إلى منظومة مراقبة واسعة النطاق .. فحين تصبح المدن مغطاة بالكاميرات، وتصبح الهواتف المحمولة أجهزة بث ٍ دائم للمعلومات، وتُربط كل هذه البيانات بخوارزميات قادرة على التحليل والتنبؤ، يصبح الإنسان نفسه جزءا ً من شبكة مراقبة غير مرئية.

لم يعد السؤال اليوم هو: هل يمكن مراقبة الأفراد؟
بل أصبح السؤال: إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه المراقبة؟

فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل ما حدث، بل يستطيع أيضا ً تحليل الأنماط السلوكية وربما التنبؤ بالخطوات القادمة. وعندما تُجمع بيانات التحركات والاتصالات والأنشطة الرقمية في منظومة واحدة، يصبح من الممكن رسم خريطة دقيقة لحياة الإنسان اليومية، من الأماكن التي يزورها إلى الأشخاص الذين يلتقيهم وحتى العادات التي يمارسها.

هنا يظهر التناقض الذي يحيط بهذه التكنولوجيا ؛ فمن جهة يمنح الذكاء الاصطناعي الدول قدرة غير مسبوقة على حماية الأمن ومكافحة الجريمة ، ومن جهة أخرى يثير مخاوف حقيقية تتعلق بالخصوصية والحرية الإنسانية.

فالعالم الذي يستطيع أن يكتشف المجرم بسرعة، هو نفسه العالم الذي يستطيع أن يعرف كل شيء تقريبا ً عن حياة مواطنيه .. والفارق بين الحماية والمراقبة قد يكون أحيانا ً خيطاً رفيعا ً لا يراه الناس بوضوح.

وقد بدأت بعض المجتمعات بالفعل في طرح أسئلة عميقة حول حدود استخدام هذه التكنولوجيا ؛ فهل ينبغي أن تمتلك الحكومات القدرة الكاملة على تحليل حياة الأفراد الرقمية؟
وهل يمكن ضمان أن تظل هذه الأدوات في إطار حماية الأمن فقط دون أن تتحول إلى أدوات للسيطرة أو التوجيه؟

الحقيقة أن التكنولوجيا في ذاتها لا تحمل خيرا ً مطلقا ً ولا شرا ً مطلقا ً، فهي مجرد أداة تعكس الطريقة التي يستخدمها بها الإنسان، فكما يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقذ الأرواح ويمنع الجرائم، يمكن أيضا ً أن يتحول إلى وسيلة لمراقبة المجتمعات بصورة غير مسبوقة في التاريخ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم لا يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي، بل بقدرة الإنسان على وضع الحدود التي تحكم استخدامه، فالتقدم التكنولوجي لا يمكن إيقافه لكن يمكن توجيهه.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الأمن والحرية ؛ فالمجتمعات تحتاج إلى أدوات تحميها من المخاطر، لكنها تحتاج أيضا ً إلى ضمانات تحافظ على كرامة الإنسان وخصوصيته.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أدوات الإنسان في القرن الحادي والعشرين، لكنه قد يتحول أيضا ً إلى أعظم اختبار لحكمة الإنسان في كيفية استخدام هذه القوة.

وربما يبقى السؤال الذي سيواجهه الإنسان في السنوات القادمة ليس عن قدرة الذكاء الاصطناعي، بل عن حدود استخدامه.
فهل سيستمر العالم في تطوير هذه التكنولوجيا بلا قيود، أم سيبحث عن قواعد تضمن أن تظل في خدمة الإنسان لا في السيطرة عليه؟

والسؤال الأهم:
هل يمكن للإنسان اليوم أن يتخيل حياته بدون الذكاء الاصطناعي .. أم أن الطريق الذي بدأناه أصبح بلا عودة ؟

الاخبار العاجلة