رغم علاقتها كحليفة لواشنطن..لماذا لا تثق إيران إلا بالوسيط الباكستاني؟

كيف يعيد التاريخ النووي نفسه بين إسلام آباد الدولة الإسلامية النووية وطهران الدول الطامحة للنووي وسط صراع واشنطن في المنطقة

منذ 7 دقائقآخر تحديث :
رغم علاقتها كحليفة لواشنطن..لماذا لا تثق إيران إلا بالوسيط الباكستاني؟
تقرير: فاطمة خليفة

في كل مرة تتصاعد فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يعود اسم باكستان إلى الواجهة بهدوء لافت، ليس باعتبارها مجرد دولة مجاورة لإيران أو حليفًا تقليديًا لواشنطن، بل بوصفها طرفًا يمتلك قدرة نادرة على التحرك بين المعسكرين دون أن ينظر إليه باعتباره خصمًا كاملًا لأي منهما.

 

فبينما تنظر واشنطن إلى إسلام آباد باعتبارها شريكًا أمنيًا وعسكريًا مهمًا منذ عقود، ترى طهران أن باكستان، رغم تقلباتها السياسية وتحالفاتها الغربية، تظل واحدة من الدول القليلة القادرة على التحدث مع الطرفين دون خطاب عدائي مباشر أو مشروع مواجهة مفتوحة.

 

هذا الموقع الاستثنائي أعاد طرح سؤال معقد في ظل التوترات الإقليمية الأخيرة: لماذا تبدو باكستان أكثر قبولًا لدى إيران مقارنة بدول أخرى حليفة للولايات المتحدة؟ وهل تتحرك إسلام آباد كوسيط مستقل فعلًا، أم أنها تمثل قناة غير مباشرة للمصالح الأمريكية في المنطقة؟

 

العلاقة الباكستانية المتقلبة مع واشنطن.. تحالف قديم لا يخلو من الشكوك

لفهم موقع باكستان الحالي، لا يمكن فصل ذلك عن تاريخ علاقتها الطويلة بالولايات المتحدة، وهي علاقة اتسمت دائمًا بالتعاون الأمني العميق، لكن أيضًا بعدم الثقة المتبادلة.

منذ خمسينيات القرن الماضي، أصبحت باكستان جزءًا من شبكة التحالفات الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وانضمت إلى أحلاف مدعومة غربيًا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى لاعب رئيسي في الحرب الأفغانية ضد السوفييت خلال الثمانينيات، حين عملت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بالتنسيق مع الاستخبارات الباكستانية لدعم المجاهدين الأفغان.

 

لكن هذه العلاقة لم تكن مستقرة بالكامل. فواشنطن لطالما نظرت بقلق إلى البرنامج النووي الباكستاني، بينما رأت إسلام آباد أن الولايات المتحدة تتعامل معها وفق منطق “الحاجة المؤقتة”، ثم تعود للضغط والعقوبات بعد انتهاء الأزمات.

 

ظهر ذلك بوضوح بعد انسحاب السوفييت من أفغانستان، حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات على باكستان بسبب برنامجها النووي، قبل أن تعود العلاقات للتحسن بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما أصبحت باكستان شريكًا محوريًا في “الحرب على الإرهاب”.

 

ورغم هذا التعاون، بقيت الشكوك قائمة داخل المؤسسة الباكستانية تجاه واشنطن، خصوصًا بعد اتهامات أمريكية متكررة لإسلام آباد بازدواجية التعامل مع الجماعات المسلحة، ثم أزمة مقتل زعيم تنظيم القاعدة “أسامة بن لادن” داخل الأراضي الباكستانية عام 2011، والتي شكلت واحدة من أكبر لحظات التوتر بين الطرفين.

 

لماذا تثق إيران في باكستان رغم علاقتها بأمريكا؟

قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن تنظر إيران بدرجة من الثقة إلى دولة ترتبط بعلاقات عسكرية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، لكن الحسابات الإيرانية تجاه باكستان تختلف عن نظرتها لدول أخرى في المنطقة.

 

فإيران تدرك أن باكستان، رغم قربها من واشنطن، لم تتحول يومًا إلى منصة عدائية مباشرة ضدها، كما أنها تجنبت الانخراط في تحالفات إقليمية تستهدف طهران بشكل صريح.

 

بالرغم من أن باكستان تعد أحد أهم حلفاء أمريكا في المنطقة، إلا أنها تتمتع بقدر من الاستقلالية، مما يمنحها هامش من الحرية لصياغة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الداخلية بعيدا عن مصالح واشنطن.

 

بالإضافة إلى أن عدم تبعي باكستان بالكلية إلى الهيمنة الأمريكية، كما بعض حلفاء واشنطن التي تتحكم في قرارهم السيادي؛ وهو ما دفع إيران إلى اللعب على وتر المصالح المشتركة بينها وبين باكستان كدول جوار.

 

كما أن العلاقة بين البلدين تحكمها اعتبارات جغرافية وأمنية عميقة. فالدولتان تتشاركان حدودًا طويلة، وتواجهان تحديات مشتركة مرتبطة بالتهريب والجماعات المسلحة والانفلات الأمني في المناطق الحدودية، مما فرض مستوى معينًا من التنسيق حتى في أصعب فترات التوتر.

 

كذلك تنظر طهران إلى باكستان باعتبارها دولة “تفهم عقلية الضغوط الغربية”، لأنها واجهت بدورها عزلة وضغوطًا وعقوبات بسبب برنامجها النووي في التسعينيات، وهو ما خلق نوعًا من الإدراك المشترك بين الطرفين حول طبيعة التعامل الأمريكي مع الملفات النووية.

 

ورغم الخلافات المذهبية والتوترات الحدودية المتقطعة، فإن العلاقة الإيرانية الباكستانية ظلت أقل عدائية مقارنة بعلاقات طهران مع قوى إقليمية أخرى.

 

التاريخ يعيد نفسه هل خاضت باكستان نفس “التجربة الإيرانية” مع أمريكا؟

في كثير من النقاشات داخل إيران، تطرح التجربة الباكستانية باعتبارها نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الضغوط الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي.

 

فباكستان، مثل إيران لاحقًا، واجهت ضغوطًا غربية وعقوبات أمريكية بسبب سعيها لتطوير قدراتها النووية، خصوصًا بعد التجارب النووية التي أجرتها عام 1998 ردًا على الهند.

 

حينها فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية وسياسية على إسلام آباد، واعتبرت أن تطوير السلاح النووي يهدد الاستقرار الإقليمي. لكن الفارق الأساسي أن باكستان نجحت في النهاية في فرض نفسها كقوة نووية أمر واقع، قبل أن تعود الولايات المتحدة للتعامل معها كشريك استراتيجي بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الأمنية.

 

هذا المسار خلق داخل إيران قناعة بأن باكستان ليست مجرد حليف أمريكي تقليدي، بل دولة خاضت بنفسها تجربة الصدام مع واشنطن، ثم أعادت بناء العلاقة وفق توازنات المصالح.

 

لماذا سمح العالم لباكستان نوويًا ولم يسمح لإيران؟

واحدة من أكثر النقاط التي تثير الجدل في النقاشات السياسية والإعلامية، تتعلق بالسؤال التالي: لماذا تمكنت باكستان من التحول إلى قوة نووية معترف بواقعها، بينما لا يزال البرنامج النووي الإيراني يواجه عقوبات وضغوطًا وعزلة دولية منذ سنوات؟

 

تاريخيًا، لم يكن الطريق الباكستاني نحو السلاح النووي سهلًا أو مرحبًا به غربيًا. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت إسلام آباد برنامجها النووي مدفوعة بالهزائم العسكرية أمام الهند، ثم تضاعف الإصرار الباكستاني بعد التجربة النووية الهندية عام 1974.

 

عارضت الولايات المتحدة المشروع الباكستاني بالفعل، وفرضت عقوبات وضغوطًا على إسلام آباد، خصوصًا عبر “تعديل بريسلر” في التسعينيات، الذي قيّد المساعدات العسكرية بسبب الملف النووي. لكن هذه الضغوط لم تصل أبدًا إلى مستوى الحصار الشامل والعزل السياسي الذي واجهته إيران لاحقًا.

 

يعود السبب الأول إلى طبيعة السياق الدولي نفسه. فباكستان خلال الحرب الباردة كانت تُعتبر حليفًا استراتيجيًا مهمًا للولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي، خصوصًا خلال الحرب الأفغانية في الثمانينيات، ما جعل واشنطن تتعامل مع ملفها النووي ببراغماتية أكبر، خوفًا من خسارة شريك أمني محوري في جنوب آسيا.

 

أما السبب الثاني، فيرتبط بطريقة تقديم باكستان لمشروعها النووي. فإسلام آباد ركزت خطابها على “الردع أمام الهند” باعتباره تهديدًا مباشرًا ووجوديًا، وليس كمشروع أيديولوجي أو أداة لتوسيع النفوذ الإقليمي، وهو ما جعل كثيرًا من القوى الدولية تنظر إلى البرنامج الباكستاني باعتباره جزءًا من توازن ردع إقليمي في جنوب آسيا، لا مشروعًا لتغيير شكل النظام الإقليمي بالكامل.

 

كذلك لعبت العلاقات الباكستانية الوثيقة مع الصين ودول الخليج دورًا مهمًا في تخفيف العزلة عنها، بينما واجهت إيران صورة مختلفة تمامًا بعد الثورة الإسلامية عام 1979، إذ ارتبط مشروعها النووي في الذهنية الغربية بشعارات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وترافق مع أزمات متلاحقة مثل أزمة الرهائن، والعقوبات، والنفوذ الإقليمي المتصاعد لطهران.

 

هل كانت باكستان قوة إسلامية نووية أم قوة غربية نووية؟ وكيف ستكون طهران نوويا؟

كما أن باكستان، رغم امتلاكها السلاح النووي، ظلت ضمن المعسكر الأمني الغربي بدرجات مختلفة، ولم تتحول إلى خصم مباشر للولايات المتحدة، بعكس إيران التي دخلت في صدام استراتيجي طويل مع واشنطن امتد لعقود.

 

وفي الداخل الإيراني، تستخدم التجربة الباكستانية أحيانًا كدليل على ما تعتبره طهران “ازدواجية المعايير الغربية”، حيث يرى مسؤولون ومحللون إيرانيون أن العالم تعامل مع البرنامج النووي الباكستاني باعتباره أمرًا واقعًا يمكن احتواؤه، بينما جرى التعامل مع المشروع الإيراني باعتباره تهديدًا جيوسياسيًا واسعًا يجب منعه أو تقييده بشدة.

 

ورغم الفوارق الكبيرة بين التجربتين، فإن إيران تتابع باهتمام النموذج الباكستاني، ليس فقط من زاوية النجاح في الوصول إلى القدرة النووية، بل أيضًا من زاوية كيفية إدارة العلاقة المعقدة مع واشنطن بعد ذلك، دون الوصول إلى قطيعة كاملة أو حرب مفتوحة.

 

قوة إسلامية نووية تتحرك بين المحاور

ما يمنح باكستان أهمية إضافية هو أنها ليست مجرد دولة إقليمية عادية، بل القوة النووية الإسلامية الوحيدة المعلنة في العالم.

 

هذا الموقع يمنحها وزنًا خاصًا داخل العالم الإسلامي، ويجعلها قادرة على التواصل مع أطراف متناقضة في آن واحد: الولايات المتحدة، الصين، الخليج، وإيران.

 

كما أن الجيش الباكستاني، الذي يعد المؤسسة الأقوى داخل الدولة، يمتلك علاقات ممتدة مع المؤسسات العسكرية الغربية والخليجية، وفي الوقت نفسه يحافظ على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران، انطلاقًا من اعتبارات الأمن الحدودي والاستقرار الإقليمي.

 

هذا التوازن جعل إسلام آباد حريصة تاريخيًا على تجنب الانحياز الكامل لأي محور إقليمي، رغم قربها التقليدي من الخليج وواشنطن.

 

 لماذا قد تكون باكستان وسيطًا أفضل من الصين وروسيا لطهران؟

رغم أن الصين وروسيا ترتبطان بعلاقات قوية مع إيران، فإنهما لا تملكان دائمًا القدرة نفسها على لعب دور الوسيط المقبول لدى جميع الأطراف.

 

فواشنطن تنظر إلى بكين وموسكو باعتبارهما خصمين استراتيجيين عالميين، ما يجعل أي وساطة تقودها الدولتان محاطة بحسابات الصراع الدولي الأوسع.

 

أما باكستان، فرغم تقاربها الكبير مع الصين، فإنها ما تزال تحتفظ بعلاقات أمنية وعسكرية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لا تُعتبر عدوًا مباشرًا لإيران.

 

كما أن إسلام آباد تمتلك ميزة إضافية تتمثل في فهمها العميق لتركيبة المنطقة، وحدود الصراع المذهبي، وتعقيدات الأمن الحدودي، وهي ملفات لا يمكن فصلها عن أي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران.

 

لهذا ترى بعض التحليلات أن باكستان قادرة على لعب دور “القناة الخلفية” التي يصعب على قوى أخرى القيام بها.

 

هل تنجح الوساطة الباكستانية فعلًا؟

نجاح أي دور باكستاني في الوساطة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل معقدة.

أولها قدرة إسلام آباد على الحفاظ على توازنها الدقيق بين واشنطن وطهران دون خسارة أي من الطرفين. وثانيها مدى استعداد الولايات المتحدة أصلًا لمنح وسطاء إقليميين مساحة حقيقية للتحرك، بدل الاكتفاء باستخدامهم كقنوات لنقل الرسائل.

أما العامل الثالث، فيتعلق بإيران نفسها، التي تنظر بحذر دائم لأي تحرك مرتبط بالولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن باكستان تظل أقل الأطراف الإقليمية عدائية تجاهها.

لكن حتى لو لم تنجح الوساطة في تحقيق اختراق سياسي كبير، فإن مجرد بقاء قنوات التواصل مفتوحة عبر باكستان قد يكون هدفًا مهمًا بحد ذاته، خصوصًا في لحظات التصعيد التي تقترب فيها المنطقة من حافة المواجهة المباشرة.

 

على مدى عقود، نجحت باكستان في بناء موقع معقد داخل التوازنات الدولية؛ فهي حليف أمني لواشنطن، وشريك استراتيجي للصين، ودولة تحافظ على علاقات حذرة مع إيران، وقوة نووية إسلامية تحاول تجنب الانفجار الإقليمي الشامل.

 

لهذا لا تبدو إسلام آباد مجرد وسيط عابر بين أمريكا وإيران، بل دولة تتحرك داخل شبكة مصالح متشابكة، تعرف جيدًا كيف تتحدث مع الخصوم في وقت تتزايد فيه الاستقطابات الدولية.

 

وفي منطقة تدار فيها الأزمات أحيانًا عبر القنوات الخلفية أكثر من الطاولات الرسمية، قد تكون باكستان واحدة من الدول القليلة القادرة على مخاطبة الجميع دون أن تُغلق الأبواب بالكامل في وجهها.

الاخبار العاجلة