
بقلم: د. علي الدكروري
لفترات طويلة، كان يُنظر إلى الغذاء باعتباره ملفًا اقتصاديًا أو إنسانيًا فقط، لكن العالم اليوم بدأ يدرك حقيقة مختلفة تمامًا:
الغذاء أصبح أحد أهم أدوات القوة والنفوذ.
الأزمات العالمية الأخيرة كشفت بوضوح أن الأمن الغذائي لم يعد قضية رفاهية أو تنمية فقط، بل أصبح جزءًا مباشرًا من الأمن القومي والاستقرار السياسي للدول.
فعندما تتعطل سلاسل الإمداد، أو ترتفع أسعار الحبوب والطاقة، لا تتأثر الأسواق فقط، بل تمتد التأثيرات إلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي.
ولهذا، بدأت دول العالم تعيد النظر في مفهوم “القوة”.
القوة اليوم لا ترتبط فقط بالسلاح أو الاقتصاد التقليدي، بل بقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الأساسية، وعلى رأسها الغذاء.
ومن هنا، تزداد أهمية إفريقيا بشكل استراتيجي غير مسبوق.
القارة الإفريقية تمتلك مساحات زراعية ضخمة، وموارد مائية متنوعة، وقدرات بشرية هائلة، تجعلها واحدة من أهم المناطق القادرة على لعب دور رئيسي في مستقبل الأمن الغذائي العالمي.
لكن رغم هذه الإمكانيات، لا تزال أجزاء كبيرة من القارة تعاني من فجوة بين الموارد والإنتاج الحقيقي، نتيجة تحديات مرتبطة بالبنية التحتية، والاستثمار، والتكنولوجيا الزراعية، وسوء الإدارة في بعض الحالات.
العالم اليوم لا يبحث فقط عن شراء الغذاء، بل عن تأمين مصادر إنتاجه على المدى الطويل.
ولهذا، أصبح الاستثمار في الزراعة، والتصنيع الغذائي، وسلاسل الإمداد، أحد أهم مجالات التنافس الدولي خلال المرحلة الحالية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري باعتباره نموذجًا مهمًا في التعامل مع ملف الأمن الغذائي، من خلال التوسع في مشروعات البنية الزراعية، واستصلاح الأراضي، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات التخزين والنقل.
كما أن العلاقات المصرية الإفريقية تفتح المجال أمام بناء شراكات حقيقية في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي والتبادل التجاري، بما يحقق مصالح مشتركة تخدم استقرار المنطقة بالكامل.
وقد حرص فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال السنوات الماضية على دعم هذا التوجه، من خلال التركيز على مشروعات التنمية الزراعية والبنية التحتية، وتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية في العديد من الملفات التنموية والاستراتيجية.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات والتحديات، لن تكون الدول الأقوى فقط هي التي تمتلك المال أو السلاح…
بل الدول القادرة على تأمين غذائها، وحماية استقرارها الداخلي، وبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.
ولعل المقولة الشهيرة التي تقول:
“من لا يملك قوت يومه، لا يملك حرية قراره”،
تلخص بوضوح كيف أصبح الأمن الغذائي جزءًا أساسيًا من استقلال الدول وسيادتها في عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والسياسية.
الأمن الغذائي لم يعد ملفًا اقتصاديًا فقط…
بل أصبح جزءًا من معادلة النفوذ العالمي.
خلاصة الدكروري:
في عالم الأزمات، قد تشتري الدول السلاح وقت الحاجة…
لكن الغذاء لا يمكن تعويض غيابه بسهولة.
ومن يملك أمنه الغذائي، يملك جزءًا كبيرًا من قراره واستقراره.
*كاتب المقال: رجل أعمال مصري.
