مطار القليعات ينطلق بعد عقود من الانتظار.. لماذا نجحت حكومة نواف سلام حيث أخفقت حكومات متعاقبة؟

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مطار القليعات ينطلق بعد عقود من الانتظار.. لماذا نجحت حكومة نواف سلام حيث أخفقت حكومات متعاقبة؟
فاطمة خليفة:

بعد أكثر من ثلاثين عامًا من الوعود والخطط المؤجلة، نجح لبنان أخيرًا في وضع مشروع مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات على سكة التنفيذ، في خطوة ينظر إليها اللبنانيون باعتبارها واحدة من أبرز مشاريع البنية التحتية التي أطلقت في البلاد خلال السنوات الأخيرة.

 

غير أن أهمية الحدث لا تكمن فقط في افتتاح مطار دولي ثانٍ للبلاد، بل في السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ما الذي تغير اليوم حتى يتمكن هذا المشروع من الخروج إلى النور بعدما عجزت عنه حكومات متعاقبة منذ نهاية الحرب الأهلية؟

 

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة لأن مطار القليعات لم يكن مشروعًا جديدًا أو فكرة طارئة، بل ملفًا حاضرًا على طاولة الحكومات اللبنانية منذ التسعينيات. 

 

كما ارتبط المطار باسم الرئيس اللبناني الراحل رينيه معوض، الذي انتخب رئيسًا للجمهورية عام 1989 قبل اغتياله بعد أيام قليلة من انتخابه، ومنذ التسعينيات طرحت خطط متكررة لإعادة تشغيله كمطار مدني دولي، لكنها لم تتجاوز في معظم الأحيان مرحلة الدراسات والوعود.

 

وبقي المشروع حبيس النقاشات السياسية والمالية إلى أن دخل أخيرًا مرحلة التنفيذ الفعلي، في يونيو الجاري، إذ أعلنت الحكومة اللبنانية عن إطلاق مشروع تطوير وتشغيل مطار رينيه معوض في القليعات، بعد إسناد مهمة التشغيل والاستثمار إلى شركة متخصصة، فيما تشير التقديرات إلى استكمال أعمال التأهيل خلال الأشهر المقبلة تمهيدًا لدخوله الخدمة بصورة كاملة قبل نهاية العام الجاري.

 

ومع كل أزمة كانت تصيب مطار بيروت، أو مع كل حديث عن تنمية المناطق المحرومة، كان اسم القليعات يعود إلى الواجهة قبل أن يتراجع مجددًا وسط الخلافات السياسية والعقبات المالية والإدارية.

 

هل ينجح القليعات في كسر احتكار العاصمة ؟

أطلقت الحكومة اللبنانية رسميًا مشروع تطوير وتشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في منطقة القليعات بمحافظة عكار شمالي البلاد، على أن يبدأ استقبال الرحلات خلال أسابيع بعد استكمال أعمال التأهيل والتجهيز. 

 

يقع المطار على بعد نحو 100 كيلومتر شمال بيروت، بالقرب من الحدود السورية، وينتظر أن يصبح ثاني مطار دولي عامل في لبنان بعد مطار رفيق الحريري الدولي.

 

وينتظر أن تبدأ الرحلات الأولى إلى وجهات إقليمية تشمل إسطنبول ومرسين ودبي، مع خطط مستقبلية لإضافة خطوط إلى القاهرة وأثينا والمدينة المنورة، بما يعزز ارتباط شمال لبنان بالمراكز الاقتصادية والسياحية في المنطقة.

 

وخلال حفل إطلاق المشروع، أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن تشغيل المطار يمثل خيارًا إنمائيًا يهدف إلى تحقيق توازن أكبر بين المناطق اللبنانية، مشددًا على أن المشروع لا يستهدف منافسة مطار بيروت بقدر ما يسعى إلى تعزيز قدرات البلاد الجوية ودعم المناطق الشمالية التي عانت طويلًا من التهميش التنموي.

 

وبينما تحتفي الحكومة اللبنانية بإطلاق المطار الدولي الثاني في البلاد، يطرح الحدث تساؤلات حول قدرته على إحداث تحول اقتصادي وإنمائي حقيقي في شمال لبنان، ومدى نجاحه في تخفيف الضغط عن مطار بيروت الذي ظل لعقود البوابة الجوية الوحيدة للبلاد.

 

تتجاوز أهمية المطار قطاع الطيران نفسه، إذ تراهن الحكومة على دوره في تنشيط الاقتصاد المحلي في محافظة عكار، إحدى أكثر المناطق اللبنانية معاناة من البطالة والفقر.

 

 كما ينظر إليه باعتباره فرصة لتحفيز الاستثمار والسياحة والتجارة، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في منطقة ظلت بعيدة عن المشاريع الكبرى لسنوات طويلة.

 

مشروع نجا من مقبرة المشاريع اللبنانية

في بلد تحولت فيه عشرات المشاريع الكبرى إلى ملفات مؤجلة، يبدو خروج مطار القليعات من دائرة الوعود حدثًا استثنائيًا بحد ذاته. 

فالمشروع واجه على مدار عقود تحديات مرتبطة بالتمويل، وغياب التوافق السياسي، والخلافات حول جدواه الاقتصادية، إضافة إلى التنافس التقليدي بين القوى السياسية على أولويات الإنفاق والاستثمار.

 

وخلال السنوات الماضية، طرحت عدة دراسات لإعادة تشغيل المطار، إلا أن معظمها اصطدم بالأزمة المالية للدولة أو بعدم توافر الإرادة السياسية الكافية. 

 

كما أن بعض الأطراف كانت ترى أن تطوير مطار ثانٍ قد يشتت الاستثمارات المخصصة لمطار رفيق الحريري الدولي، بينما اعتبرت أطراف أخرى أن المشروع يمثل ضرورة استراتيجية طال انتظارها.

 

ويشير مراقبون إلى أن أحد أبرز أسباب التعثر السابق كان غياب نموذج تشغيلي واضح يخفف الأعباء عن الخزينة اللبنانية، وهو ما حاولت الحكومة الحالية تجاوزه عبر إشراك القطاع الخاص في عملية التطوير والتشغيل، بما يقلل الحاجة إلى تمويل حكومي مباشر في ظل الأزمة المالية الخانقة.

 

تاريخ طويل من الانتظار..لماذا الآن؟

جاءت إعادة إحياء المشروع في وقت ازدادت فيه الضغوط على مطار رفيق الحريري الدولي، الذي يعمل منذ سنوات بطاقة مرتفعة ويعد المنفذ الجوي الدولي الوحيد للبنان. 

 

كما أعادت التوترات الأمنية والإقليمية خلال العامين الماضيين طرح مسألة تنويع البنية التحتية الحيوية وعدم الاعتماد على منشأة واحدة في إدارة حركة الطيران المدنية.

 

يبدو توقيت إطلاق المشروع مرتبطًا بمجموعة من المتغيرات التي لم تكن متوافرة في السابق. فمن جهة، يعيش لبنان واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، ما دفع الحكومة إلى البحث عن مشاريع قادرة على تحريك عجلة الاستثمار وخلق فرص عمل خارج العاصمة.

 

ومن جهة أخرى، كشفت التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين هشاشة الاعتماد الكامل على مطار بيروت كمرفق جوي وحيد. 

 

كان كل اضطراب أمني أو عسكري ينعكس مباشرة على حركة النقل الجوي في البلاد، ما أعاد طرح فكرة وجود بديل استراتيجي قادر على ضمان استمرارية الحركة الجوية.

 

وتعكس تصريحات المسؤولين اللبنانيين خلال إطلاق المشروع هذا البعد بوضوح، إذ ركزت على مفاهيم “الأمن اللوجستي” و”تنويع البنية التحتية” بقدر تركيزها على التنمية الاقتصادية، وهو ما يشير إلى أن المشروع لم يعد ينظر إليه كمطار إضافي فقط، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر.

 

الشمال اللبناني.. المستفيد الأكبر

لم يكن ملف مطار القليعات مجرد مشروع نقل جوي مؤجل، بل تحول على مدى سنوات إلى عنوان للنقاش السياسي والإنمائي في لبنان. 

 

على المستوى الاقتصادي، يمثل المشروع فرصة نادرة لمحافظة عكار والشمال اللبناني عمومًا، وهي مناطق ظلت لعقود خارج خريطة الاستثمارات الكبرى مقارنة ببيروت وجبل لبنان.

 

وتراهن الحكومة على أن يتحول المطار إلى نقطة جذب اقتصادية تخلق نشاطًا في قطاعات السياحة والخدمات والنقل والتجارة. 

 

لكن التجارب السابقة في لبنان تظهر أن البنية التحتية وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية، ما لم تترافق مع استثمارات موازية في الطرق والخدمات والمناطق اللوجستية.

 

لذلك يرى خبراء أن نجاح المطار لن يقاس بعدد الرحلات التي يستقبلها خلال الأشهر الأولى، بل بقدرته على خلق دورة اقتصادية متكاملة حوله، وهو التحدي الذي واجهته مطارات ومناطق حرة عديدة في المنطقة العربية خلال السنوات الماضية.

 

بين الاقتصاد والسياسة

لا يمكن فصل المشروع عن المشهد السياسي اللبناني. فالقليعات يقع في منطقة لطالما طالبت بحصة أكبر من المشاريع التنموية، كما أن إعادة إحياء المطار تحمل رسالة سياسية تتعلق بتوزيع التنمية على المناطق وعدم حصرها في العاصمة.

 

وفي المقابل، يثير المشروع تساؤلات حول قدرة الحكومة على المحافظة على الزخم الحالي في ظل الانقسامات السياسية التقليدية. 

فالتاريخ اللبناني مليء بمشاريع بدأت بقوة قبل أن تتعثر لاحقًا بسبب الخلافات السياسية والأولويات الطائفية، أو أن تتبدل موازين القوى.

 

ولهذا السبب، يتعامل كثيرون مع إطلاق المشروع باعتباره بداية اختبار طويل أكثر من كونه نهاية قصة نجاح مكتملة.

فالمطار الذي ظل خارج الخدمة المدنية لعقود طويلة عاد إلى الواجهة مع تصاعد الدعوات إلى تنويع البنية التحتية للنقل الجوي وعدم ربط حركة البلاد الجوية بمنشأة واحدة فقط في العاصمة بيروت.

 

هل يخفف الضغط عن مطار بيروت؟

يمثل هذا السؤال أحد أهم رهانات المشروع. فمطار رفيق الحريري الدولي ظل لعقود البوابة الجوية الوحيدة للبنان، ما جعله عرضة لضغوط تشغيلية وأمنية متزايدة.

 

ويرى مؤيدو المشروع أن وجود مطار ثانٍ سيمنح لبنان مرونة أكبر في إدارة حركة المسافرين والشحن الجوي، خصوصًا خلال مواسم الذروة أو في حالات الطوارئ. 

 

إلا أن تحقيق هذا الهدف سيظل مرتبطًا بقدرة القليعات على استقطاب شركات الطيران وتأمين حركة تشغيلية مستدامة، وهو أمر يحتاج إلى سنوات وليس إلى أشهر.

 

لماذا يحتاج لبنان إلى مطار ثانٍ؟

يمثل إطلاق مطار القليعات أكثر من مجرد إضافة منشأة جديدة إلى خريطة الطيران اللبنانية؛ فهو اختبار لقدرة الدولة على تحويل المشاريع المؤجلة إلى واقع اقتصادي ملموس. 

 

وبين رهانات التنمية في الشمال اللبناني والحاجة إلى تعزيز البنية التحتية الوطنية، سيبقى نجاح المطار مرتبطًا بقدرته على جذب الحركة الجوية والاستثمارات، لا بمجرد افتتاحه بعد سنوات طويلة من الانتظار.

 

قد يكون افتتاح مطار القليعات انتصارًا إداريًا لحكومة نواف سلام، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام اختبار أكبر. 

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تشغيل المطار، بل في تحويله إلى مشروع اقتصادي مستدام قادر على تغيير الواقع التنموي للشمال اللبناني وتخفيف الضغط عن العاصمة. 

 

وبينما نجحت الحكومة في كسر حلقة التعثر التي لازمت المشروع لسنوات طويلة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان القليعات سيصبح نقطة تحول في خريطة الاقتصاد اللبناني، أم مجرد مشروع آخر نجح في الإقلاع لكنه سيواجه صعوبات أكبر بعد مغادرة المدرج.

الاخبار العاجلة