بعد أشهر من الغياب، عادت رايات حركة «حماس» و«كتائب القسام» لتتصدر مشاهد الجنازات في قطاع غزة، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الطابع الرمزي. فالقرار، الذي تؤكد مصادر داخل الحركة أنه جاء بتوجيه من قيادة غزة، يُنظر إليه باعتباره محاولة لإثبات استمرار حضور الحركة وتماسكها رغم الاغتيالات والضغوط العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات بشأن تداعياته على مسار التهدئة، وإمكانية استغلاله إسرائيلياً لتبرير تصعيد جديد في القطاع.
عادت رايات حركة «حماس» وذراعها العسكري «كتائب القسام» إلى الظهور في جنازات عناصر الحركة داخل قطاع غزة، بعد فترة من الغياب منذ استئناف الحرب الإسرائيلية في مارس 2025، في خطوة تؤكد مصادر داخل الحركة أنها جاءت بقرار من قيادة غزة بهدف توجيه رسائل سياسية وعسكرية في توقيت بالغ الحساسية.
وبدأ هذا التحول خلال جنازة القيادي الميداني في «القسام» وليد هنية، أحد أقارب رئيس المكتب السياسي السابق إسماعيل هنية، والتي تزامنت مع الدعوات التي أُطلقت في 26 يونيو لتنظيم احتجاجات ضد «حماس» على خلفية تردي الأوضاع الإنسانية في القطاع.
ووفق أربعة مصادر من الحركة، فإن قيادة «حماس» عممت تعليمات بإعادة رفع الرايات وترديد الشعارات المؤيدة لـ«المقاومة» خلال جنازات عناصرها، في محاولة لإظهار أن الحركة ما زالت تحتفظ بحضورها التنظيمي والعسكري، وأنها لم تتأثر بحملات الاغتيال الإسرائيلية أو الضغوط السياسية المتعلقة بمستقبل غزة.
وتقول المصادر إن القرار جاء أيضاً رداً على ما وصفته بمحاولات إضعاف الحركة داخلياً، وإظهار أنها ما زالت تمثل قوة فاعلة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص القطاع أو القضية الفلسطينية.
ورغم أن الحركة تؤكد أن المسلحين الذين يظهرون في الجنازات هم من أقارب وأصدقاء القتلى وليسوا ضمن استعراضات عسكرية منظمة، فإن المشاهد أعادت إلى الأذهان صور عمليات تسليم الأسرى الإسرائيليين مطلع عام 2025، والتي استخدمتها إسرائيل لاحقاً، بحسب تقارير، في تعقب واغتيال عدد من قيادات وعناصر الحركة.
وأثارت هذه الخطوة انقساماً داخل الأوساط الفلسطينية، إذ حذر بعض النشطاء المحسوبين على «حماس» من أن رفع الرايات وترديد شعارات مثل “7 أكتوبر سوف يعود” قد يمنح إسرائيل مبررات لتكثيف عملياتها العسكرية، في ظل استمرار الغارات والاغتيالات رغم وقف إطلاق النار المعلن.
في المقابل، ترى مصادر في الحركة أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع لمواصلة عملياتها العسكرية، مشيرة إلى أن الهجمات لم تتوقف منذ إعلان الهدنة، وأن مئات الفلسطينيين سقطوا خلال الأشهر الماضية جراء الغارات والاغتيالات.
بالتزامن مع ذلك، تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية، استناداً إلى تقديرات استخباراتية، عن أن «حماس» تعمل على إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية، عبر تصنيع الأسلحة، وترميم بعض الأنفاق، وتجنيد عناصر جدد، وهو ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تكثيف عمليات الاغتيال لمنع الحركة من استعادة قوتها.
كما أشارت تقارير عبرية إلى وجود تباين داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بشأن استئناف الحرب الواسعة على غزة، في ظل ضغوط أميركية تحول دون العودة إلى العمليات العسكرية الشاملة في الوقت الراهن.
وتؤكد مصادر «حماس» أن الحركة تواصل الاستعداد لأي تصعيد محتمل، لكنها لا تعتزم المبادرة بعمليات هجومية، مشددة على أن أولويتها الحالية تتمثل في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل كامل، ويضمن تدفق المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار القطاع، مع الحفاظ على ما تعتبره حقوق الفلسطينيين.
وبين رسائل الصمود التي تسعى «حماس» إلى إيصالها، والتحذيرات من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى تصعيد جديد، يبقى المشهد في غزة مرهوناً بمسار المفاوضات السياسية، وبقدرة الأطراف على تثبيت التهدئة ومنع انزلاق القطاع إلى جولة جديدة من المواجهة.














