القرن الإفريقي.. من صراع النفوذ إلى معركة الممرات البحرية

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

لم يعد القرن الإفريقي مجرد منطقة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ السياسي أو العسكري، بل أصبح اليوم أحد أهم مفاتيح الأمن الدولي، بعد أن تداخلت أحداث المنطقة مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديدات جماعة الحوثي باستهداف الملاحة في البحر الأحمر، والتلويح بإغلاق مضيق باب المندب. وهكذا انتقل القرن الإفريقي من هامش الأحداث إلى قلب معادلة الأمن العالمي.

فالقرن الإفريقي يحتل موقعًا استثنائيًا عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويجاور أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن هنا لم يعد التنافس عليه مرتبطًا فقط بثرواته أو أسواقه، بل بقدرته على التأثير في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وفي مستقبل قناة السويس نفسها.

وتأتي إثيوبيا في قلب هذه المعادلة. فالدولة التي تمثل ثاني أكبر تجمع سكاني في أفريقيا لا تزال تنظر إلى فقدان منفذها البحري باعتباره أحد أكبر القيود على طموحاتها الاقتصادية والاستراتيجية. ولهذا تواصل البحث عن منفذ على البحر الأحمر، سواء عبر التفاهمات السياسية أو الضغوط الإقليمية أو توسيع نفوذها في محيطها المباشر. ومع ازدياد أهمية البحر الأحمر في ظل الأزمات الحالية، تزداد أهمية هذا الهدف بالنسبة لأديس أبابا، لأنه لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح ورقة استراتيجية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

وفي المقابل، تتمسك إريتريا بسواحلها وموانئها باعتبارها مصدر قوتها الرئيسي. فهي تدرك أن أي تغيير في موازين السيطرة على البحر الأحمر سيعيد تشكيل دورها الإقليمي، ولذلك تحافظ على سياسة تمنحها أكبر قدر ممكن من الاستقلالية، دون الانخراط الكامل في أي محور.

أما الصومال، فلا يزال يمثل الحلقة الأكثر هشاشة، رغم أنه يمتلك أحد أطول السواحل في أفريقيا. فالصراعات الداخلية، والإرهاب، وتعدد التدخلات الخارجية، جعلته ساحة مفتوحة للتنافس على الموانئ والقواعد العسكرية، في وقت أصبحت فيه هذه الموانئ جزءًا من شبكة الأمن البحري الممتدة من المحيط الهندي إلى قناة السويس.

لكن التطور الأهم خلال المرحلة الحالية يتمثل في أن البحر الأحمر نفسه أصبح جزءًا من الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران. فمع تصاعد العمليات العسكرية، وتهديدات إيران والحوثيين باستهداف السفن وإغلاق باب المندب، لم يعد الحديث يدور عن نزاع محلي، بل عن احتمال تعطيل أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وإذا أضيف إلى ذلك احتمال تعرض الملاحة في مضيق هرمز لأي اضطراب، فإن العالم قد يجد نفسه أمام ضغوط متزامنة على اثنين من أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة.

ومن هنا تتضاعف أهمية القرن الإفريقي؛ فالقواعد العسكرية، والموانئ، والوجود البحري للقوى الدولية لم تعد مجرد أدوات لبسط النفوذ، وإنما أصبحت وسائل لحماية خطوط الملاحة أو التأثير فيها. ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا، إلى جانب قوى إقليمية مثل الإمارات وإيران، لتعزيز حضورها في المنطقة، كلٌ وفق مصالحه وأهدافه.

وبالنسبة لمصر، فإن القضية تتجاوز حدود الجغرافيا. فأمن البحر الأحمر وباب المندب يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، لأن أي اضطراب طويل في الملاحة ينعكس على قناة السويس، التي تعد أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني، كما يفرض تحديات أمنية واستراتيجية تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها. وكذلك تنظر المملكة العربية السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا أساسيًا من أمنها الوطني، وهو ما يجعل استقرار القرن الإفريقي مصلحة مشتركة للدول المطلة على هذا الممر الحيوي.

إن ما نشهده اليوم يؤكد أن القرن الإفريقي لم يعد مجرد ساحة صراع على النفوذ، بل أصبح محورًا رئيسيًا في معركة السيطرة على الممرات البحرية العالمية. فهناك تتقاطع حسابات الأمن والطاقة والتجارة، وتتشابك مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية، بينما تبقى شعوب المنطقة هي الأكثر دفعًا لثمن هذه الصراعات.

ولعل أخطر ما في المشهد أن العالم لم يعد يتابع القرن الإفريقي باعتباره أزمة أفريقية، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي. فإذا كانت الحروب القديمة تُحسم بالسيطرة على العواصم، فإن حروب هذا العصر قد تُحسم بالسيطرة على المضائق البحرية. ومن هنا، فإن مستقبل البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي سيظل أحد أهم الملفات الاستراتيجية التي سترسم ملامح النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

الاخبار العاجلة