جبل الزيت.. أسئلة ما زالت تنتظر الإجابة

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

منذ الإعلان عن اتفاقية استثمار وتشغيل محطة رياح جبل الزيت، لم ينصب الجدل على مبدأ جذب الاستثمارات في حد ذاته، فمصر تحتاج إلى الاستثمار، كما تحتاج إلى تعظيم الاستفادة من أصولها الوطنية. وإنما انصب النقاش على حق المجتمع في معرفة الأسس التي قامت عليها هذه الاتفاقية، ومدى تحقيقها للمصلحة العامة، وهو ما دفع عددا ً من أعضاء مجلس النواب إلى التقدم بطلبات إحاطة للحكومة، طالبوا فيها بتوضيح عدد من الجوانب الفنية والمالية والقانونية المرتبطة بها.

وقد تناولت طلبات الإحاطة – بحسب ما هو منشور – عدة نقاط رئيسية، من بينها طبيعة التعاقد، وأسس تقييم المحطة، وكيفية تحديد قيمة الاتفاقية، وآثارها الاقتصادية، وما إذا كانت تحقق أفضل عائد ممكن للدولة من أحد أهم أصولها في قطاع الطاقة.
ولعل القيمة الحقيقية لطلبات الإحاطة لا تكمن في مجرد توجيه الأسئلة، وإنما في أنها تمثل إحدى أدوات الرقابة الدستورية التي تهدف إلى تمكين الرأي العام من الاطلاع على المعلومات المتعلقة بإدارة المال العام، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، أيا ً كانت النتائج التي تنتهي إليها تلك الرقابة.

وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم تُعلن للرأي العام وثائق أو بيانات تفصيلية تكفي لحسم هذا الجدل، وهو ما يجعل استمرار التساؤلات أمرا ً طبيعيا ً، ليس تشكيكا ً في سلامة الإجراءات، ولا إصدارا ً لأحكام مسبقة، وإنما تأكيدا ً لحق المواطنين في المعرفة، ولحق البرلمان في ممارسة دوره الرقابي.

وإذا كانت الحكومة تؤكد أن هذه الاتفاقية تحقق أفضل مصلحة للدولة، فإن إنهاء الجدل لا يحتاج إلى بيانات إعلامية بقدر ما يحتاج إلى نشر المعلومات التي تجيب عن ثلاثة أسئلة واضحة ومحددة:

أولا ً: هل نُشر تقرير تقييم مالي وفني مستقل لمحطة جبل الزيت، يوضح الأسس التي بُني عليها تحديد قيمة الاتفاقية؟

ثانيا ً: هل يمكن نشر نص الاتفاقية بالكامل، أو على الأقل بنودها الجوهرية، حتى تتضح للرأي العام طبيعة التعاقد، ومدته، والتزامات كل طرف، وما سيؤول إليه الأصل بعد انتهاء مدة الاتفاق؟

ثالثا ً: هل أُعلن سعر شراء الكهرباء الذي ستلتزم الدولة بسداده طوال مدة الاتفاقية؟ وهل هذا السعر ثابت أم يخضع لمعادلات مرتبطة بسعر الصرف أو غيره من المتغيرات الاقتصادية؟

إن نشر هذه الوثائق لن يمنح الحكومة فرصة الدفاع عن هذه الاتفاقية فحسب، بل قد يكون الفرصة الأفضل لإقناع كل من لديه تحفظات عليها، إذا كانت الأرقام والدراسات تؤكد أنها حققت أفضل عائد للدولة.
أما إذا ظلت هذه الوثائق بعيدة عن الرأي العام، فإن الجدل لن يتوقف، لأن غياب المعلومات يفتح الباب للاجتهادات والتأويلات، بينما وحدها الحقائق المعلنة هي القادرة على حسم النقاش.

في الدول الحديثة، لا تُبنى الثقة على مطالبة الناس بالتصديق، وإنما على تمكينهم من الاطلاع. فالبيان الإعلامي يشرح القرار، أما الوثيقة فتسمح بتقييمه، وكلما اتسعت دائرة المعلومات، تراجعت مساحة الشائعات، وارتفعت ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.
إن الشفافية لا تُضعف الحكومات، بل تعزز مصداقيتها، لأنها تمنح الرأي العام القدرة على فهم القرارات وتقييمها استنادا ً إلى الحقائق لا إلى الانطباعات .. ومن ثم، فإن نشر الوثائق المتعلقة بالاتفاقية لن يكون دفاعا ً عن صفقة بعينها، بقدر ما سيكون دفاعا ً عن مبدأ، وهو أن إدارة أصول الدولة يجب أن تكون واضحة وقابلة للتقييم والمراجعة.
فالوثائق وحدها هي التي تُنهي الجدل، أما غيابها فلا يُنهي الأسئلة، بل يمد في عمرها.
ولعل الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحسم النقاش حول محطة جبل الزيت فحسب، بل ستؤكد أيضًا أن الشفافية ليست مجرد شعار، وإنما نهج في إدارة المال العام، وأحد أهم أسس بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.

الاخبار العاجلة