
بقلم: د. علي الدكروري
عندما تحتاج دولة إلى تطوير شبكة السكك الحديدية، يبدو الحل التقليدي واضحًا: على الحكومة أن تشتري القطارات، وتمتلك القضبان، وتدير التشغيل، وتتحمل تكلفة التطوير والصيانة.
لكن أفريقيا بدأت تختبر نموذجًا مختلفًا يطرح سؤالًا مهمًا:
هل يجب على الدولة أن تفعل كل شيء بنفسها، أم يمكنها أن تمتلك الأصل وتسمح للقطاع الخاص بالاستثمار في تشغيله؟
هذا السؤال أصبح واقعيًا اليوم في جنوب أفريقيا، حيث يجري فتح شبكة السكك الحديدية المملوكة للدولة أمام شركات خاصة لتشغيل قطارات الشحن عليها، مع احتفاظ الدولة بالبنية الأساسية نفسها.
وفي الوقت ذاته، أعلنت شركة Traxtion، إحدى أكبر شركات تشغيل قطارات الشحن الخاصة في أفريقيا، برنامجًا استثماريًا بقيمة 3.4 مليار راند، أي نحو 210 ملايين دولار، لشراء وتطوير 46 قاطرة و920 عربة شحن.
لكن الرقم ليس هو القصة
القصة الحقيقية هي أن رأس المال الخاص بدأ يرى فرصة استثمارية في أصل تملكه الدولة.
الأصل شيء وتشغيله شيء آخر
من المهم التفريق بين ملكية البنية الأساسية وتشغيلها.
فالدولة تستطيع أن تمتلك خط السكك الحديدية وتحافظ عليه باعتباره أصلًا استراتيجيًا، بينما تستخدم شركة خاصة أموالها لشراء القطارات وتشغيلها ونقل البضائع عليه مقابل رسوم وقواعد واضحة.
ويمكن تشبيه الأمر بطريق تملكه الدولة، بينما تستخدمه آلاف السيارات والشاحنات الخاصة يوميًا.
وجود القطاع الخاص لا يعني بيع الطريق
والفكرة نفسها يمكن تطبيقها، وفق طبيعة كل دولة وقطاع، على بعض أشكال البنية الأساسية.
وهذا النموذج يمكن أن يمنح الدولة ميزة مهمة: الاحتفاظ بملكية الأصل، مع الاستفادة من رأس المال والخبرة التشغيلية للقطاع الخاص.
المشكلة ليست دائمًا في بناء أصل جديد
عندما نتحدث عن احتياجات أفريقيا من البنية الأساسية، يتجه التفكير عادة إلى بناء طرق وموانئ وسكك حديدية جديدة.
لكن هناك سؤالًا يجب أن يسبق ذلك أحيانًا:
هل نستخدم بكفاءة ما بنيناه بالفعل؟
فقد تمتلك الدولة خط سكة حديد جيدًا، لكن عدد القطارات أو عربات الشحن المتاحة لا يكفي لنقل حجم البضائع المطلوب.
وفي هذه الحالة قد لا يكون الحل الأول هو بناء خط جديد بتكلفة مليارات الدولارات، وإنما زيادة عدد القطارات وتحسين التشغيل واستخدام الخط الموجود بكفاءة أكبر.
وهنا يصبح الاستثمار الخاص وسيلة لإضافة طاقة تشغيلية جديدة دون أن تتحمل الدولة وحدها كامل تكلفة التوسع.
عندما تتحرك القطارات يتحرك الاقتصاد
السكك الحديدية ليست قضية نقل فقط.
فالمصنع يحتاج إلى نقل المواد الخام والمنتجات، والمزارع يحتاج إلى إيصال محصوله إلى الأسواق والموانئ، وشركات التعدين تحتاج إلى نقل كميات ضخمة من المعادن، والمصدر يحتاج إلى الوصول إلى الميناء في الوقت والتكلفة المناسبين.
ولهذا فإن تكلفة النقل تدخل بصورة مباشرة في سعر المنتج وقدرته على المنافسة.
إذا انخفضت تكلفة نقل طن من البضائع، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند شركة السكك الحديدية، بل يصل إلى المصنع والمزرعة والميناء والمصدر والمستهلك.
وهنا تتحول السكك الحديدية من خدمة نقل إلى جزء من القدرة التنافسية للاقتصاد كله.
الاستثمار الخاص بدأ يستجيب
المهم في تجربة جنوب أفريقيا أن الأمر لم يعد مجرد حديث عن مشاركة القطاع الخاص.
فالاستثمار الذي أعلنت عنه Traxtion يشمل عشرات القاطرات ومئات عربات الشحن، كما استكملت الشركة تمويلًا رأسماليًا بقيمة 86 مليون دولار بمشاركة مؤسسات مالية كبيرة لدعم برنامجها الاستثماري.
والأهم أن البرنامج يستهدف أيضًا تصنيع وتطوير نسبة كبيرة من احتياجاته محليًا، بما يعني أن الاستثمار في النقل يمكن أن يمتد أثره إلى الصناعة والتدريب والوظائف والشركات المحلية.
وهذا نموذج مهم لفهم العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي ورأس المال.
عندما تكون القواعد واضحة، يبدأ المستثمر في وضع أمواله على الأرض.
أفريقيا تتحرك في الاتجاه نفسه
التغيير لا يقتصر على جنوب أفريقيا.
فعدد من الدول الأفريقية، من أنجولا والكونغو الديمقراطية إلى زامبيا وموزمبيق وزيمبابوي، يتحرك بدرجات مختلفة نحو إشراك القطاع الخاص في تطوير وتشغيل شبكات الشحن.
كما يجري تطوير خطوط وممرات تربط مناطق الإنتاج والمناجم بالموانئ والأسواق الإقليمية.
وهذا مهم لأن الاقتصاد الأفريقي لا يحتاج فقط إلى خطوط داخل حدود كل دولة.
القيمة الأكبر ستظهر عندما تبدأ هذه الخطوط في الاتصال ببعضها، وتتحول إلى ممرات تجارية إقليمية تنقل البضائع بين الدول الأفريقية ثم إلى الأسواق العالمية.
عندها يصبح خط السكك الحديدية جزءًا من مشروع أكبر للتجارة والتكامل الاقتصادي داخل القارة.
الشراكة لا تعني تراجع دور الدولة
في رأيي، الخطأ هو النظر إلى العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص باعتبارها اختيارًا بين طرفين.
الدولة تمتلك دورًا لا يمكن الاستغناء عنه في التخطيط ووضع القواعد وحماية المنافسة والاستثمار في البنية الأساسية الاستراتيجية.
والقطاع الخاص يمتلك رأس المال والخبرة والقدرة على التشغيل والتوسع.
والنموذج الأفضل ليس أن يحل أحدهما محل الآخر، بل أن يؤدي كل طرف الدور الذي يستطيع القيام به بكفاءة أكبر.
فإذا استطاعت الدولة الاحتفاظ بأصل استراتيجي قيمته مليارات الدولارات، وفي الوقت نفسه جذب مستثمر يضع أمواله في القطارات والمعدات والتشغيل ويوفر الوظائف، فإننا لا نتحدث عن بيع أصل.
نحن نتحدث عن تعظيم العائد من الأصل.
السؤال الذي يستحق أن تسأله أفريقيا
تمتلك القارة أصولًا ضخمة في السكك الحديدية والموانئ والطرق والطاقة، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى استثمارات هائلة لتوسيع هذه الشبكات.
ولذلك ربما لا يكون السؤال دائمًا:
كم نحتاج من المال لبناء المزيد؟
بل أحيانًا:
كيف نجعل ما بنيناه بالفعل ينتج قيمة أكبر؟
وهذه الفكرة يمكن أن تغير طريقة التفكير في تمويل البنية الأساسية الأفريقية.
فالأصل الذي يعمل بنصف طاقته ليس فقط فرصة تشغيل ضائعة، بل رأس مال ضخم لا يحقق كامل عائده الاقتصادي.
خلاصة الدكروري
أفريقيا لا تحتاج دائمًا إلى الاختيار بين ملكية الدولة واستثمار القطاع الخاص. يمكن للدولة أن تحتفظ بالأصل، بينما يضع المستثمر رأس المال والخبرة في تشغيله وتطويره. فالقيمة الحقيقية للبنية الأساسية لا تُقاس فقط بتكلفة ما أنفقناه على بنائها، بل بحجم الاقتصاد الذي تستطيع أن تحركه بعد أن تبدأ العمل بكامل طاقتها.
وأحيانًا لا يكون الاستثمار الأذكى هو بناء طريق أو خط جديد، بل جعل ما نملكه بالفعل يعمل بصورة أفضل.
*كاتب المقال: رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية.
