عادت الرايات الخضراء وصور العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إلى عدد من مدن غرب ليبيا، مع إحياء أنصاره الذكرى الـ57 لـ«ثورة الفاتح من سبتمبر»، في مشهد حمل بعدًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز مجرد إحياء مناسبة من حقبة النظام السابق، بعدما قابلت الأجهزة الأمنية في مناطق عدة هذه التحركات باعتقالات وملاحقات واحتكاكات.

وشهدت مدن طرابلس ومصراتة والعجيلات وبني وليد وترهونة والزاوية تحركات لأنصار النظام السابق، تمثلت في مواكب للسيارات واحتشاد في بعض الساحات ورفع الرايات الخضراء وصور القذافي، في محاولة لإظهار استمرار وجود التيار المؤيد للنظام السابق في المشهد الليبي، رغم مرور 15 عامًا على سقوطه.
وفي العاصمة طرابلس، اتخذ المشهد طابعًا أكثر رمزية، إذ تجمع أنصار «ثورة 17 فبراير» في ميدان الشهداء رافعين أعلام ليبيا الحالية، في مقابل تحركات أنصار النظام السابق في مناطق أخرى، بما عكس استمرار الانقسام حول إرث مرحلة القذافي حتى بعد سنوات من انتهاء حكمه.
وكانت وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية» قد وجهت بعدم اعتراض المشاركين في إحياء الذكرى داخل طرابلس، مع توفير الحماية للمسيرات، إلا أن الوضع اتخذ مسارًا مختلفًا في عدد من مناطق غرب البلاد، حيث تحدثت تقارير محلية عن حملات أمنية استهدفت مشاركين في الاحتفالات.
في مدينة الزاوية، ظهرت سيارات مسلحة خلال الاحتفالات وهي ترفع الرايات الخضراء وتردد شعارات مرتبطة بالنظام السابق، فيما شهدت بني وليد، التي كانت من أبرز معاقل القذافي خلال أحداث 2011، حضورًا لافتًا للرموز المرتبطة بتلك المرحلة.
وردد متظاهرون في بني وليد مطالب بمحاسبة حلف شمال الأطلسي «الناتو» على العمليات العسكرية التي نفذها في ليبيا عام 2011، داعين إلى الاعتذار وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار المناطق التي تعرضت للدمار خلال الحرب.
وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام محلية باعتقال عدد من المشاركين في الاحتفالات في مدن ومناطق عدة، فيما تحدث شهود عن استخدام مركبات مصفحة في حملة أمنية داخل بلدية أبو سليم لوقف تجمعات مؤيدة للقذافي.
كما أفادت تقارير أمنية عن إحراق سيارات تعود إلى مشاركين في الاحتفالات بمدينة مصراتة، إلا أن الجهات الرسمية لم تؤكد بشكل مستقل هوية المسؤولين عن هذه الأحداث أو ملابساتها.
وتشير هذه الوقائع إلى أن إحياء ذكرى «الفاتح» لا يزال يمثل نقطة حساسة في ليبيا، حيث تتداخل حرية التعبير عن الانتماء السياسي مع مخاوف أمنية مرتبطة بإمكانية تحول التجمعات إلى تحركات أوسع في بلد لا تزال مؤسساته منقسمة ومشهده الأمني هشًا.
وتكتسب احتفالات هذا العام أهمية إضافية بالنسبة إلى أنصار النظام السابق، في ظل سعيهم إلى إظهار أن التيار لم يفقد قدرته على الحشد، وأن الرموز المرتبطة بمرحلة القذافي لا تزال قادرة على الظهور في الشارع الليبي، خصوصًا في مناطق عرفت تاريخيًا بتأييدها للنظام السابق.
على جانب آخر، تعكس ردود الفعل الأمنية والسياسية استمرار الحساسية تجاه عودة هذه الرموز، في وقت لم تنجح فيه ليبيا بعد في تجاوز الانقسامات التي أعقبت سقوط النظام عام 2011، أو الوصول إلى تسوية سياسية وأمنية تنهي حالة الاستقطاب الممتدة منذ ذلك الحين.
وتأتي هذه التطورات بينما تشهد مناطق من غرب ليبيا توترًا أمنيًا متقطعًا، وسط تحذيرات من قوى محسوبة على معسكر «ثورة 17 فبراير» من أي تحركات لأنصار النظام السابق يمكن أن تؤدي، وفق رؤيتها، إلى زعزعة الاستقرار.
وبينما حاول أنصار القذافي تحويل ذكرى «الفاتح» إلى رسالة تؤكد بقاء التيار في الشارع، جاءت الحملات الأمنية لتكشف الوجه الآخر للمشهد: فالقضية لم تعد مجرد ذكرى لنظام انتهى، وإنما ما زالت تمس خطوط الانقسام السياسي والاجتماعي في ليبيا.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا الظهور الموسمي سيظل في حدود إحياء الذكرى، أم أنه يعكس محاولة لإعادة بناء حضور سياسي أوسع داخل المشهد الليبي.














