بعد تعليق الاتصالات وتراجع الضربة على لبنان.. ما مصير المفاوضات بين واشنطن وطهران؟

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
بعد تعليق الاتصالات وتراجع الضربة على لبنان.. ما مصير المفاوضات بين واشنطن وطهران؟
تقرير: فاطمة خليفة

دخلت المفاوضات بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر تعقيدًا خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتقلت تداعيات الحرب من ساحات القتال إلى طاولة التفاوض نفسها. 

 

فبينما كانت الأطراف المعنية تترقب رد إيران على المقترحات المطروحة لتمديد الهدنة وفتح مسار تفاوضي جديد، أدت التطورات المتسارعة في لبنان إلى إرباك المشهد بأكمله، ودفعت طهران إلى تعليق الاتصالات غير المباشرة مع الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ بدء المسار التفاوضي الحالي.

 

وجاء التحول الأبرز مع تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية، بعدما هددت  إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية ووصلت التهديدات إلى بيروت، في خطوة اعتبرتها طهران اختبارًا مباشرًا للتفاهمات التي يجري العمل عليها منذ أسابيع. 

 

لم يقتصر الموقف الإيراني على الإدانة السياسية، بل ربطت طهران بصورة واضحة بين مستقبل الاتصالات مع واشنطن وبين وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة، معتبرة أن أي تفاهم لا يشمل هذه الملفات سيبقى معرضًا للانهيار في أي لحظة.

 

وفي خضم هذه التطورات، برز لبنان لأول مرة بوصفه عنصرًا مؤثرًا في مسار المفاوضات نفسها، وليس مجرد ملف إقليمي موازٍ. 

 

التصريحات الإيرانية الأخيرة أظهرت أن طهران تنظر إلى التهدئة باعتبارها حزمة متكاملة تشمل مختلف الجبهات، وهو ما يفسر قرارها تعليق تبادل الرسائل عبر الوسطاء احتجاجًا على التصعيد الإسرائيلي.

 

لكن المشهد لم يتوقف عند حدود الموقف الإيراني. فمع تصاعد الحديث عن ضربة إسرائيلية واسعة ضد بيروت، دخلت واشنطن على خط الأزمة بشكل مباشر. 

 

كشفت التطورات اللاحقة عن تدخل أمريكي سريع لاحتواء الموقف، بعدما أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، انتهى إلى تراجع إسرائيل عن الضربة التي كانت تثير مخاوف من انفجار أوسع على الساحة اللبنانية.

 

وأثار هذا التراجع تساؤلات واسعة حول أسبابه الحقيقية. فبينما رأت بعض التقديرات أن التحذيرات الإيرانية واحتمالات الرد على أي هجوم كبير ضد لبنان لعبت دورًا في إعادة الحسابات الإسرائيلية.

 

كما أن بعض القراءات الأخرى ذهبت إلى أن العامل الحاسم كان الموقف الأمريكي نفسه. 

 

فقد بدت إدارة ترامب معنية بالحفاظ على المسار التفاوضي ومنع أي تطور ميداني قد يؤدي إلى نسف الجهود المبذولة للوصول إلى تفاهم جديد مع طهران.

 

وتكشف هذه التطورات عن تباين متزايد بين أولويات واشنطن وتل أبيب. فالإدارة الأمريكية تركز خلال هذه المرحلة على تثبيت الهدنة وتهيئة الظروف لاتفاق أوسع، بينما تواصل إسرائيل النظر إلى الضغط العسكري باعتباره الأداة الأكثر فاعلية في التعامل مع حزب الله وحلفاء إيران في المنطقة. 

 

وقد بدا هذا التباين واضحًا في الطريقة التي جرى التعامل بها مع أزمة بيروت الأخيرة، حيث فضلت واشنطن احتواء التصعيد في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستعد لتوسيعه.

 

على الجانب الإيراني، لا يبدو أن قرار تعليق الاتصالات يمثل إغلاقًا كاملًا لباب التفاوض بقدر ما يعكس محاولة لرفع سقف الضغوط السياسية قبل الدخول في المرحلة التالية من المحادثات. 

 

طهران لم تعلن انسحابها من المسار التفاوضي، لكنها سعت إلى توجيه رسالة مفادها أن الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، أصبحت جزءًا من الحسابات المرتبطة بأي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة.

 

كما أن التطورات الأخيرة جاءت بالتزامن مع استمرار الضغوط الأمريكية على إيران، سواء عبر العقوبات أو الحصار البحري، وهو ما يعكس استمرار سياسة الجمع بين التفاوض والضغط في آن واحد. 

 

ولا تزال واشنطن  تراهن على أن العقوبات والأدوات الاقتصادية تمنحها أوراق قوة على طاولة المفاوضات، بينما تحاول طهران استخدام نفوذها الإقليمي والجبهات المرتبطة بها لتحسين موقعها التفاوضي.

 

تتأرجح نسبة نجاح المفاوضات بين التهدئة الأمريكية والتصعيد الإسرائيلي، إذ تبدو المفاوضات بعيدة عن الانهيار الكامل، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تسير بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل أزمة لبنان الأخيرة. 

 

وبالتالي مازال المسار التفاوضي قائمًا، غير أن نجاحه أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بقدرة الأطراف على منع الجبهات الإقليمية من فرض إيقاعها على طاولة التفاوض، خاصة في ظل سعي تل أبيب لعرقلة المفاوضات بشتى الطرق.

 

ولهذا لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمصير الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران، بل بمدى قدرة الطرفين على عزل المفاوضات عن تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة. 

 

الأحداث الأخيرة أظهرت أن أي تصعيد في لبنان أو غزة يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى عامل مؤثر في مستقبل التفاهمات السياسية، وأن الطريق إلى الاتفاق لم يعد يمر فقط عبر المفاوضين والوسطاء، بل عبر الجبهات المشتعلة أيضًا.

الاخبار العاجلة