ديكتاتورية الجغرافيا

2 أبريل 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

الجغرافيا لا تسمح بالعداء الدائم .. حتى لو سمحت به السياسة مؤقتا ً.
هذه ليست جملة إنشائية، بل قاعدة صلبة حكمت تاريخ الصراعات عبر القرون، وستظل تحكم مستقبلها مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوة.

في منطقة مثل الخليج والشرق الأوسط، لا تعيش الدول في فراغ؛ بل داخل نطاق جغرافي شديد التداخل، تتقاطع فيه الممرات البحرية، ومصالح الطاقة، ومجالات الأمن الحيوي .. ومن هنا، لا تستطيع أي دولة أن تعزل نفسها بالكامل، ولا يمكن لأي صراع أن يبقى محصورا ً داخل حدود طرف واحد، فكل تصعيد مهما بدا موجها ً بدقة، يحمل في طياته احتمالات امتداد لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.

قد تمنح القوة العسكرية تفوقا ً لحظيا ً، وقد تفرض واقعا ً مؤقتا ً، لكنها لا تستطيع أن تؤسس استقرارا ً دائما ً في بيئة جغرافية متشابكة .. فالملاحة لا يمكن تأمينها بشكل مطلق، والاقتصاد لا يمكن عزله عن محيطه، والردود غير التقليدية تظل حاضرة كعامل استنزاف دائم، مهما بلغت قوة الطرف المتفوق .. وهنا يتحول الصراع من معركة قابلة للحسم إلى حالة استنزاف مفتوحة، لا يخرج منها أحد منتصرا ً بشكل كامل.

الأخطر من ذلك أن أي محاولة لكسر طرف بشكل كامل قد تنعكس على الجميع؛ فاختلال التوازن في هذه المنطقة لا يبقى محليا ً، بل يمتد ليصيب شبكات الطاقة، وحركة التجارة، واستقرار الأسواق، وهو ما يجعل تكلفة الصراع أعلى من قدرة أي طرف على تحمّلها منفردا ً .. بمعنى أدق؛؛ لا أحد يملك رفاهية الانتصار الكامل، لأن ثمنه قد يكون انهيارا ً جزئيا ً في بيئة مشتركة.

من هنا ؛ لا يصبح السلام خيارا ً أخلاقيا ً فقط، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة المكان. ليس لأن الأطراف متفقة، ولا لأن النوايا متقاربة، بل لأن الجغرافيا نفسها تضع حدودا ً لما يمكن احتماله من صراع، وتجبر الجميع – عاجلا ً أو آجلا ً – على البحث عن صيغة تعايش، حتى وإن كانت هشة في بدايتها.

قد تتأخر هذه اللحظة، وقد تمر المنطقة بموجات من التصعيد والهدوء، لكن القاعدة ستظل قائمة: لا يمكن لدول متجاورة، ترتبط مصالحها بشكل مباشر أو غير مباشر، أن تعيش في حالة عداء دائم دون أن تدفع جميعها الثمن.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن الخرائط لا تتغير بسهولة، وأن من يعيشون داخلها لا يملكون رفاهية تجاهلها .. قد تختلف السياسات، وقد تتبدل التحالفات، لكن الجغرافيا تظل العامل الأكثر ثباتا ً، والأكثر قدرة على فرض منطقها.

في هذه المنطقة تحديدا ً، لا أحد يستطيع أن ينتصر وحده، ولا أحد يستطيع أن ينهزم وحده، لأن الجغرافيا لا تعرف العزلة، بل تفرض شكلا ً من الشراكة، حتى بين الأضداد.

الاخبار العاجلة