بقلم: مصطفى زكريا
هناك فرق كبير بين من يكبر بالتعلّم .. ومن يحاول أن يبدو كبيرا ً بالتجاوز.
فالإنسان الحقيقي لا تُصنع قامته بالصوت العالي، ولا بالتطاول على الآخرين، ولا بمحاولة القفز فوق المراحل.
بل تُصنع بالعلم، والخبرة، والوعي، والقدرة على احترام النفس قبل احترام الآخرين.
لكننا نعيش اليوم زمنا ً اختلطت فيه المعايير عند البعض.
فأصبح هناك من يظن أن الجرأة تعني الوقاحة، وأن رفع الصوت دليل قوة، وأن التجاوز على أصحاب الخبرة أو القامات الحقيقية يمنحه حجما ً أكبر من حجمه.
والحقيقة أن القامات الحقيقية لا تحتاج إلى إثبات نفسها كل لحظة .. لأنها تُرى بهدوء، كما تُرى الجبال دون أن تصرخ.
أما أصحاب النقص الداخلي؛ فغالبا ً ما يحاولون تعويضه بصناعة صورة أكبر من حقيقتهم.
فيستعين أحدهم بسُلّمٍ من الضجيج، أو النفوذ المؤقت، أو التملق، أو الادعاء، أو افتعال المعارك، فقط ليشعر للحظات أنه أصبح أطول من غيره.
لكنه ينسى أن السلالم تمنح ارتفاعا ً مؤقتا ً لا قامة ً حقيقية.
ولهذا ؛
نجد بعض البشر لا يسعون إلى تطوير أنفسهم بقدر ما يسعون إلى التقليل من الآخرين.
فبدلا ً من أن يتعلموا من أصحاب الخبرة، يحاولون التشكيك فيهم .. والسعي للنميمة والسعي للفتنة من حولهم.
وبدلا ً من أن يكبروا بالاجتهاد ، يحاولون الظهور بالتجاوز وإدعاء المعرفة.
وبدلا ً من أن يبنوا مكانتهم بهدوء، يبحثون عن أي وسيلة تمنحهم وهما ً سريعا ً بالقوة.
وهنا تبدأ المشكلة الأخطر:
حين يفقد الإنسان وعيه بحجمه الحقيقي.
لأن من لا يعرف قدر نفسه غالباً
ما يصطدم بمن حوله، ويتحول طموحه من رغبة مشروعة في النجاح إلى حالة تعويض نفسي تجعله يتجاوز الحدود، ويخلط بين الثقة والغرور، وبين الحضور والاستعراض.
والمؤسف أن بعض هؤلاء ينجحون أحيانا ً في جذب الانتباه لفترة قصيرة فالضجيج قد يلفت النظر، والتجاوز يثير الجدل، والادعاء قد يخدع البعض مؤقتا ً.
لكن الزمن يظل دائما ً صاحب الكلمة الأخيرة.
لأن القيمة الحقيقية لا تُصنع بالمظاهر، والقامات الكبيرة لا تحتاج إلى سلالم.
ومن يقف بثبات على أرضه، أقوى كثيرا ً ممن يقف مرتجفا ً فوق ارتفاعٍ وهمي.
ولهذا؛
فإن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه .. أن يجعل وهمه أكبر من إمكانياته.
فالطموح شيء جميل، بل وضروري.
لكن الطموح الحقيقي يدفع صاحبه إلى التعلّم، والصبر، والتدرّج، وبناء الذات.
أما محاولة القفز فوق الحجم الحقيقي فغالبا ً ما تنتهي بسقوطٍ مؤلم يراه الجميع.
كلمة أخيرة ؛؛؛
احذر أن يتجاوز طموحك إمكانياتك ؛ فتتحول من باحث ٍ عن النجاح ، إلى مجرد متجاوزٍ يبحث عن لفت الانتباه.
فبعض الناس لا يسقطون بسبب ضعفهم فقط، بل بسبب وهمهم بأنهم أكبر مما هم عليه.
وعندها ؛؛
قد تصطدم بواقعٍ يُقزّمك أكثر .. ويضاعف من معاناتك.
