في أحدث تطورات المفاوضات بين واشنطن وطهران، كشفت المصادر الأمريكية أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى مذكرة تفاهم لتمديد الهدنة الحالية لمدة 60 يومًا، مع استمرار التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني، بينما لا يزال الاتفاق بانتظار الموافقة النهائية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويكشف هذا التطور تحولًا لافتًا في طبيعة المسار الأمريكي منذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أشهر، حين كانت واشنطن تتحدث بصورة أكثر حدة عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدعم عمليات عسكرية واسعة استهدفت مواقع مرتبطة بطهران وحلفائها في المنطقة.
وكانت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الصادرة منذ عدة أيام، والتي قال فيها إن الاتفاق مع إيران قد يتم خلال أيام، قد أعطت مؤشرات إيجابية، ولكنها تراجعت مع ضربات الولايات المتحدة المحدودة ضد أهداف إيرانية، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الجديدة ضد طهران.
ويعكس هذا التزامن بين تسارع التفاوض واستمرار الضغط العسكري تحولًا لافتًا مقارنة بالأهداف التي رفعت مع بداية الحرب، حين كان الخطاب الأمريكي يتحدث بصورة مباشرة عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتوجيه ضربات قاسية لقدراتها العسكرية وشبكاتها الإقليمية.
لا تزال واشنطن تحاول الحفاظ على سياسة الضغط بالتوازي مع التفاوض، فالإدارة الأمريكية فرضت خلال الأيام الأخيرة عقوبات جديدة تستهدف شبكات مرتبطة ببيع النفط الإيراني، كما أنها شنت ضربات تبدو سياسية أكثر منها عسكرية؛ بزعم حماية الملاحة والقوات الأمريكية في المنطقة، في محاولة للجمع بين التفاوض والضغط العسكري في وقت واحد.
ولكن النسخة الجديدة من المفاوضات، كشفت أن الأولوية الأمريكية تحولت بصورة واضحة، فالاتفاق المطروح لا يتحدث عن حسم شامل أو تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، بل يركز بصورة أساسية على تمديد الهدنة، وإعادة الاستقرار إلى الملاحة في مضيق هرمز، وتأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا إلى مراحل تفاوض لاحقة.
وفي المقابل، تتعامل إيران بحذر مع الطروحات الأمريكية، وسط تمسكها بعدم تقديم تنازلات سريعة في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها ملف اليورانيوم عالي التخصيب والعقوبات الاقتصادية. وتشير تسريبات وتقارير متداولة إلى أن طهران تعتبر أن التفاهمات الحالية لا تزال مؤقتة ومرتبطة بإدارة التصعيد أكثر من كونها اتفاقًا نهائيًا لحسم الصراع.
لكن التطور الأكثر دلالة ربما لا يتعلق بطهران فقط، بل بالخلافات المتزايدة بين واشنطن وتل أبيب حول شكل نهاية الحرب، فقد كشفت التطورات الأخيرة عن اتساع القلق داخل إسرائيل من اتجاه واشنطن نحو تفاهم سريع مع إيران.
وتحدثت تقارير أمريكية وإسرائيلية خلال الأيام الماضية عن تباينات متزايدة بين إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن شكل الاتفاق المحتمل، في ظل مخاوف إسرائيلية من أن تؤدي الهدنة الحالية إلى تجميد الحرب دون معالجة الملفات التي تعتبرها تل أبيب جوهرية، خاصة البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران.
وخلال الأيام الماضية، تصاعدت المؤشرات التي تعكس هذا التحول، فقد تحدثت تقارير أمريكية عن ضغوط متزايدة داخل واشنطن بسبب ارتفاع أسعار الوقود والاضطراب المستمر في أسواق الطاقة العالمية.
بينما بدأت الأسواق بالفعل تتفاعل مع احتمالات التوصل إلى اتفاق، بعدما تراجعت أسعار النفط مع تصاعد الحديث عن استمرار الهدنة وعودة حركة الملاحة بصورة طبيعية في مضيق هرمز.
لذلك تبدو واشنطن أكثر اهتمامًا باحتواء الحرب وتخفيف آثارها الاقتصادية والسياسي، مما يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين بشأن أهداف المرحلة المقبلة، إذ لا تزال إسرائيل تنظر بقلق إلى أي اتفاق لا يتضمن معالجة حاسمة للبرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، خاصة في لبنان.
كما يواجه ترامب نفسه ضغوطًا داخلية متزايدة من الجمهوريين المتشددين الرافضين لأي تفاهم قد يُنظر إليه باعتباره تنازلًا لإيران، وهو ما يفسر حالة التردد التي تحيط حتى الآن بالموافقة النهائية على الاتفاق المطروح.
ورغم أن الإدارة الأمريكية لا تزال تؤكد رسميًا أن هدفها الأساسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن طبيعة التفاهمات الجارية حاليًا، وتركيزها على الهدنة والملاحة والطاقة أكثر من الملفات النووية، توحي بأن واشنطن باتت تميل بصورة متزايدة إلى إدارة الصراع واحتوائه، بدل الاستمرار في مواجهة مفتوحة طويلة يصعب التحكم في تداعياتها السياسية والاقتصادية.
وهنا يبدو أن الإدارة الأمريكية، بعد أسابيع من التصعيد العسكري، أصبحت أكثر اهتمامًا بإدارة الحرب ومنع تحولها إلى استنزاف طويل ومكلف، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من استمرار اضطراب الطاقة العالمية، إضافة إلى الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات الأمريكية المقبلة.













