الأرض.. الحكاية الكاملة (١-٣)

أصل الحكاية.. قبل أن يأتي الإنسان

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

حين يكتب الإنسان تاريخه، فإنه يبدأ عادة من نفسه؛ من الحضارات، والملوك، والحروب، واللغات، وكأن العالم لم يكن موجودًا إلا منذ أن وطأت قدماه هذه الأرض. لكن الحقيقة أكثر إدهاشًا واتساعًا من ذلك بكثير. فقبل أن يولد أول إنسان، كانت الأرض قد قطعت رحلة هائلة امتدت لنحو أربعة مليارات ونصف المليار سنة، شهدت خلالها ميلاد القارات والمحيطات، وظهور الحياة واختفاءها مرات عديدة، وتعاقب عصور كاملة لا يتسع لها خيال.

إنها حكاية طويلة لا تبدأ بالإنسان… بل تنتهي بوصوله.

تشكلت الأرض قبل نحو 4.5 مليار سنة، وكانت في بدايتها عالمًا مختلفًا تمامًا عما نعرفه اليوم؛ كرة ملتهبة تضربها النيازك، وتغطيها البراكين، ولا أثر فيها لمحيط أو شجرة أو كائن حي. ثم بدأت حرارة الكوكب تنخفض تدريجيًا، وتكونت القشرة الأرضية، وسقطت الأمطار عبر ملايين السنين، فامتلأت المنخفضات بالمياه، وولدت المحيطات الأولى، وبدأ الكوكب يتهيأ لمرحلة جديدة من تاريخه.

وبعد مئات الملايين من السنين ظهرت أولى صور الحياة في صورة كائنات دقيقة للغاية. لم تكن تملك عقلًا ولا إرادة، لكنها أدت دورًا غيّر وجه الأرض كله؛ إذ بدأت – وفق السنن التي أودعها الله في الكون – في إنتاج الأكسجين، فتحول الغلاف الجوي تدريجيًا، وأصبحت الأرض أكثر ملاءمة لظهور أشكال أكثر تعقيدًا من الحياة.

ثم أخذت الحكاية تتسع. ظهرت الكائنات البحرية، ثم النباتات، ثم خرجت الحياة إلى اليابسة، وتبعتها الحشرات والزواحف والطيور والثدييات. ولم تكن هذه مجرد قائمة من المخلوقات، بل كانت فصولًا متتابعة في قصة كوكب ظل يتغير باستمرار، حتى إن الحياة نفسها لم تكن تبقى على حال.

ثم جاء عصر الديناصورات، الذي استمر عشرات الملايين من السنين، حتى بدا وكأنه العصر الأبدي للأرض. غير أن نهاية هذا العصر جاءت فجأة بانقراض هائل غيّر وجه الكوكب، ليثبت أن القوة وحدها لا تمنح البقاء، وأن هذا الكون تحكمه سنن ثابتة لا تستثني أحدًا.

ولم يكن ذلك الانقراض نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد. فقد ازدهرت الثدييات، وتنوعت، وظهرت بينها كائنات تقترب في صفاتها الجسدية من الإنسان، لكنها لم تكن الإنسان الذي حمل الرسالة، ولا الإنسان الذي خوطب بالتكليف، ولا الإنسان الذي ميزه الله بالعقل والوعي والاختيار.

وهنا تقف المعرفة العلمية والإيمان جنبًا إلى جنب، دون حاجة إلى صراع مفتعل. فالعلم يحدثنا عن تاريخ الأرض، وعن تعاقب العصور، وتغير المناخ، وتطور أشكال الحياة كما تكشفها الأدلة والآثار. أما القرآن الكريم، فيحدثنا عن خلق آدم عليه السلام، وعن تكريم الإنسان، وعن الغاية من وجوده واستخلافه في الأرض. ولكل مجال أدواته وحدوده؛ فلا العلم يدعي تفسير الغاية، ولا الوحي جاء ليكون كتابًا في الجيولوجيا أو الأحياء، وإنما ليهدي الإنسان إلى الحقيقة الكبرى التي من أجلها خُلق.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الرحلة أن الإنسان لم يأتِ إلى أرض خام، بل إلى كوكب يحمل ذاكرة تمتد لمليارات السنين. جبالٌ تشكلت قبل وجوده بزمن لا يكاد العقل يتصوره، وبحارٌ امتلأت وفرغت، وقاراتٌ انفصلت واجتمعت، ومخلوقاتٌ سادت ثم اختفت، بينما ظل الكون يمضي في رحلته وفق نظام بالغ الدقة.

وهنا نصل إلى الفكرة التي ربما تستحق أن تبقى في ذهن القارئ بعد انتهاء هذا المقال؛ فالإنسان لم يبدأ حكاية الأرض… بل جاء في فصلها الأخير. وكل ما سبقه لم يكن تاريخًا بلا معنى، بل رحلة كونية عظيمة جعلت هذا الكوكب صالحًا لاستقبال المخلوق الذي سيحمل العقل، ويعرف الخير والشر، ويُكلَّف بالأمانة، ويترك أثره في الأرض، خيرًا كان أم شرا ً.

لكن هذا يفتح أمامنا سؤالًا أكبر: إذا كانت الأرض قد انتظرت كل هذه المليارات من السنين حتى يظهر الإنسان… فكيف بدأت حكايته هو؟
وهل كانت بدايته مجرد بداية كائن جديد، أم بداية مرحلة مختلفة تمامًا في تاريخ هذا الكوكب؟

ذلك هو ما سنبدأ رحلته في المقال القادم.

يتبع… (٣/٢) بعنوان الإنسان ؛؛؛ حين بدأ يقرأ الحكاية

الاخبار العاجلة