مونديال 2026.. رمية تماس سياسية!

9 أغسطس 2026آخر تحديث :
حاتم عبد القادر
حاتم عبد القادر

بقلم: حاتم عبد القادر

ظللنا لسنوات طويلة فاهمين أن السياسة هي المفرّق الأول بين الأنظمة السياسية والشعوب، وأن القوى الناعمة وعلى رأسها الرياضة هي المجمّع الأول للشعوب، وظللنا نردد أن من تفرقهم السياسة تجمعهم الرياضة، إلى أن جاء مونديال 2026 لكرة القدم والذي نظمه الاتحاد الدولي لكرة القدم في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك، والذي كان له رأيٌ آخر؛ لما شاهده العالم من مخالفات وتحيزات عنصرية، سواء من قبل السياسيين أو حكام المباريات ضد بعض المنتخبات التي جاء معظمها من خارج الغرب.

لقد برع مسؤولو “فيفا” في إنتاج نسخة من العنصرية الفائقة لمونديال كرة القدم؛ تلك اللعبة التي لا تعرف في تاريخها التحيز أو الميل إلى العنصرية، فكانت دائماً مثالاً لإظهار الروح المتسامحة بين اللاعبين، وأخذنا جميعاً مقولة “الروح الرياضية” للتعبير بها ترجمةً لروح التعاون والحب بين الجميع في مختلف المجالات.

لم يحاول مونديال 2026 لكرة القدم أن يعكس روح التسامح والاحترام التي نراها في بروتوكول اللعبة من تبادل شارات قيادة الفريقين، وكذلك تبادل السلام والتحية قبل المباراة على جميع فعاليات المباريات إلى نهايتها.

لقد سبق المونديالَ التدخلُ السياسي في أزمة تأشيرات لاعبي المنتخب الإيراني وجهازه الفني والإداري إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية الأزمة الأمريكية الإيرانية والمواجهات المسلحة بينهما، واعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مشاركة المنتخب الإيراني جزء من الصراع وهددهم ناصحاً لهم بالانسحاب من المشاركة في المونديال، وظلت التهديدات إلى أن تم منحهم التأشيرات في اللحظات الأخيرة قبل إطلاق المونديال. وبالرغم من ذلك تم حرمانهم من الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، فكانوا يقيمون في مدينة “تيخوانا” في المكسيك المتاخمة للحدود الأمريكية، وكانوا يتجهون إلى أمريكا قبل ساعات من مباراتهم والعودة الفورية بعد انتهاء المباراة.

لم ينتهِ المشهد المتعلق بالمنتخب الإيراني عند هذا الحد، بل كانت تُفرض حراسة أمنية مشددة على محيط الملعب الذي تقام فيه إحدى المباريات للفريق الإيراني. ولأن الجماهير المشجعة للمنتخب الإيراني منقسمة على نفسها؛ فهناك مؤيد للفريق باعتباره ممثلاً لوطنه، وهناك من يعارض المنتخب باعتباره جزءاً من نظام حاكم قمعي يرى ضرورة إسقاطه.

ولعل النقطة الأبرز هنا هي الإشارة إلى وجود عدد من أبناء الجالية الإيرانية ذات الصلة بمنظمة “مجاهدي خلق” التي تتزعمها مريم رجوي، وهذه المنظمة على صلة قوية بعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في أمريكا، وكذلك سياسيين ووزراء سابقين، و”مجاهدي خلق” تعمل على إزاحة النظام الإيراني من الحكم، بل تعد نفسها الحاكم الشرعي المنتخب من الشعب الإيراني.

وفي أثناء مباريات المنتخب الإيراني كانت هناك تظاهرات من الجالية الإيرانية تضم حوالي 35 ألف إيراني، منهم من جاء للتشجيع ومنهم من جاء للاحتجاج على نظام الملالي الحاكم. كما لوحظ أنه عند عزف النشيد الوطني الإيراني قبل المباراة أن المشجعين الإيرانيين في مدرجات الملعب كان منهم من صفق وعلت أصوات صفيره تحيةً وتقديرات لنشيد بلاده، ومنهم من علت أصواتهم مستهجنين عزف النشيد، وهؤلاء هم المعارضون للنظام.
وفي مباراة المنتخب الإيراني أمام نيوزيلندا في ملعب لوس أنجلوس بأمريكا، شوهدت مجموعة من الإيرانيين رافعين العلم الملكي القديم إلى جوار العلم الرسمي، كما قام آخرون برفع صورة “مهسا أميني” الشابة الجامعية التي قتلت على يد قوات الشرطة في سبتمبر 2022 على خلفية عدم ارتدائها الحجاب بشكل صحيح، وكانت تلك التظاهرات معبرة عن رفضها للنظام الإيراني، وهو ما يتماشى مع السياسة الأمريكية.

لم تنتهِ حالات التماس السياسي والرياضي المحتقن في هذا المونديال عند هذا الحد، بل وصلت إلى تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس “الفيفا” لإلغاء إيقاف اللاعب الأمريكي فولارين بالوجون إثر الحكم بطرده من مباراة فريق بلاده مع منتخب البوسنة، حيث تنص قوانين الفيفا على حرمان اللاعب المطرود من المباراة التالية لطرده، إلا أن تدخل “ترامب” جعل “الفيفا” تعلّق عقوبة الطرد للاعب الأمريكي لمدة 12 شهراً!

مظاهر كثيرة من العنصرية والتحيز ضد الدول العربية والإسلامية ممثلةً في منتخباتها الوطنية لكرة القدم، وظهر ذلك جلياً بعد التعسف مع الفريق الإيراني، في التحقيق الطويل مع اللاعب العراقي أيمن حسين لساعات طويلة، ومنع دخول الحكم الصومالي عمر عبد القادر إلى الأراضي الأمريكية، ومنتخب السنغال الذي أبدى استياءه من إجراءات التفتيش المعقدة والطويلة.

لم يكن المشهد السياسي في مونديال 2026 لكرة القدم من نصيب أمريكا وحدها، فقد تدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للدفاع عن قائد منتخب بلاده كيليان مبابي، بعد الهجوم عليه من قبل “سيليستي أماريلا” عضوة مجلس الشيوخ بدولة باراجواي، والتي شككت في هويته الفرنسية نظراً لأصوله الكاميرونية.

وفي موقف بعيد تماماً عن المشهد الرياضي وطقوس كأس العالم لكرة القدم، كانت هناك مطالبات لدعم “مجتمع الميم” وتحديداً خلال مباراة مصر وإيران في ملعب مدينة سياتل الأمريكية، وذلك برفع لاعبي الفريقين شارة الألوان المميزة، وهو ما رفضه منتخبا مصر وإيران رفضاً مطلقاً، علماً بأنه لا يوجد قانون أو لائحة لدى “الفيفا” تجبر أي فريق على ذلك، ولو وصل الأمر إلى انسحاب منتخبي مصر وإيران من المونديال والعودة إلى وطنَيهما لفعلا ذلك.

المحطة الأكثر بروزاً في عنصرية مونديال 2026 لكرة القدم هي مباراة منتخب مصر أمام منتخب الأرجنتين، والتي فضحت جهاز الفيفا وعلى رأسه رئيسه جياني إنفانتينو، الذي لم يُخفِ تحيزه للفريق الأرجنتيني وقائده اللاعب الأسطورة ليونيل ميسي.

فقد تفوقت مصر على الأرجنتين بهدفين نظيفين وأداء مهاري في الشوطين، وظهرت مجاملات التحكيم من الحكم الفرنسي للمباراة فرانسوا ليتكسير لصالح منتخب الأرجنتين؛ حيث ألغى هدفاً صحيحاً في الدقيقة 67 أثناء الشوط الثاني للاعب مصطفى زيكو، وكذلك عدم احتساب ضربة جزاء مستحقة للاعب محمد صلاح في الدقيقة 92 (الوقت بدل الضائع)، علاوة على الأخطاء والعنف ضد لاعبي المنتخب المصري، ليتمكن منتخب الأرجنتين من إحراز 3 أهداف في آخر ربع ساعة من المباراة لتخرج مصر من دور الـ 16 من المونديال بظلم تحكيمي، وفرحة عارمة على وجه رئيس الفيفا بمجرد إحراز الهدف الأول لمنتخب الأرجنتين في مرمى المنتخب المصري.

وفور انتهاء المباراة، أصبح تعنت “الفيفا” والحكام في مباراة مصر والأرجنتين حديث العالم وكافة الأوساط، بعد أن كان الفوز مستحقاً للمنتخب المصري.

واستكمالاً لسلسلة المجاملات والظلم التحكيمي لصالح منتخب الأرجنتين ضد المنتخبات الأخرى، واصل المنتخب الأرجنتيني لعبه بطريقته المعهودة من العنف البدني ضد منافسيه، ووضح ذلك في مبارياته -بعد مصر- مع سويسرا وإنجلترا؛ فقد كان التحيز لمنتخب الأرجنتين واضحاً من قبل الحكام، وجميع التحليلات أكدت أن الهدف هو فوز الأرجنتين بالكأس وأن يحمله قائد المنتخب الذي تكالبت الشركات العالمية على رعاية المونديال من أجله، ولأنه كأس العالم الأخير الذي سيلعبه “ميسي” نظراً لتقدم عمره.

ورغم كل المحاولات والتغاضي عن كل الأخطاء لمنتخب الأرجنتين -الذي جاء في الصدارة من حيث الأخطاء، إذ احتل المركز الأول في هذا المونديال بأخطاء بلغت 88 خطأً- يصل منتخب الأرجنتين إلى النهائي أمام منتخب إسبانيا ليلقنه درساً جديداً بعد الدرس المصري، فلم يستحوذ المنتخب الأرجنتيني على كرة واحدة خلال الشوطين لتنتهي المباراة بفوز المنتخب الإسباني بهدف نظيف، ويخرج “ميسي” مودعاً جماهيره بالدموع.

إن هذا المونديال بنسخته الأكبر في تاريخه -حيث شهد دور المجموعات مشاركة 48 دولة- شهد سجالاً واسعاً بين الرياضة والمواقف السياسية، وقد رأى البعض أن هناك تحيزاً ضد بعض المنتخبات المشاركة وتم عقابها لموقف بلادها السياسي، ولعل رفع المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن للعلم الفلسطيني في أعقاب فوز المنتخب المصري أمام منتخب أستراليا في دور الـ 32 وإهداء الفوز للشعب الفلسطيني، كان الثمن في ملاحقة المنتخب المصري بالظلم التحكيمي في المباراة التالية أمام منتخب الأرجنتين وما جرى فيها من تحيز واضح.

لقد أثبت المضيفون والمنظمون للمونديال من سياسيين ورياضيين أن العنصرية حاضرة، والصراع بين حضارتي الشرق والغرب قائم، وأن الحرية والديمقراطية عماءٌ ضد اللون أو الدين أو العرق أو الجنس، وما هي إلا ادعاءات باطلة يطلقها حكام وسياسيو الغرب ضد أهل الشرق.

وما كانوا يتغنون به من أن الرياضة للجميع، وشعار “الفيفا” بأن كرة القدم توحد العالم ما هو إلا شعار أجوف كقلوبهم الجوفاء.

وما صنعوه وحشوا به أدمغة العالم بأن الرياضة لا علاقة لها بالسياسة وأنهما لا يلتقيان، جاء مونديال 2026 ليثبت أن هناك خطوط تماس بين الرياضة والسياسة، وأن رمية تماس في ملعب لكرة القدم تصيب هدفاً سياسياً بامتياز.

الاخبار العاجلة