فاتورة الحرب.. موجة غلاء جديدة تطرق أبواب البريطانيين

منذ ساعتينآخر تحديث :
فاتورة الحرب.. موجة غلاء جديدة تطرق أبواب البريطانيين
تقرير- فاطمة خليفة:

يتجه التضخم في بريطانيا إلى الارتفاع مجددًا، مدفوعًا بزيادة تكاليف الطاقة المنزلية، في تطور يعيد الضغوط على ميزانيات الأسر ويهدد بإحياء أزمة غلاء المعيشة، بعدما بدأت تداعيات الحرب على إيران تنعكس على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.

 

تستعد الأسر البريطانية لموجة جديدة من الضغوط على تكاليف المعيشة، مع توقع أن تكشف بيانات التضخم المقرر صدورها الأسبوع المقبل عن ارتفاع الأسعار، مدفوعًا بقفزة في فواتير الطاقة، في وقت بدأت فيه الزيادة الكبيرة في فواتير الطاقة تنعكس بالفعل على ميزانيات الأسر، بالتزامن مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة العالمية.

 

وبحسب تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية اليوم الأحد، من المتوقع أن يرتفع معدل التضخم السنوي في بريطانيا إلى نحو 2.9% في البيانات الصادرة عن شهر يوليو، مقابل 2.6% في يونيو، في قراءة لم تصدر بعد، ومن المقرر أن يعلنها مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني في 19 أغسطس.

 

ويرتبط جانب رئيسي من الارتفاع المتوقع بزيادة دخلت حيز التنفيذ بالفعل في يوليو، بعدما رفعت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية «أوفجيم» سقف أسعار الكهرباء والغاز للمنازل بنسبة 13% للفترة من الأول من يوليو وحتى نهاية سبتمبر.

كما ارتفع سقف الفاتورة السنوية للأسرة النموذجية التي تدفع بالخصم المباشر من 1641 جنيهًا إسترلينيًا إلى 1862 جنيهًا.

 

ويقدر توماس بيو، كبير الاقتصاديين في شركة «آر إس إم يو كيه»، أن زيادة سقف أسعار الطاقة وحدها قد تضيف نحو 0.44 نقطة مئوية إلى معدل التضخم، وهو ما يجعل فواتير الكهرباء والغاز أحد أبرز العوامل التي يُنتظر أن تدفع قراءة يوليو إلى الارتفاع.

 

ولا تعني هذه الأرقام أن زيادة جديدة في أسعار الطاقة ستحدث خلال الأيام المقبلة؛ فالزيادة المعنية حدثت بالفعل في يوليو، فيما يترقب الاقتصاديون الآن ظهور أثرها في بيانات التضخم التي ستصدر هذا الأسبوع.

 

الحرب تضيف طبقة جديدة إلى أزمة الأسعار

تأتي عودة الضغوط على تكاليف المعيشة في بريطانيا في وقت لا تزال فيه الأسواق العالمية تعاني تداعيات الحرب الإيرانية، التي دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثارت مخاوف بشأن استقرار إمدادات النفط والغاز.

 

وتشير التقديرات إلى أن اضطرابات أسواق الطاقة الناجمة عن الحرب تضيف إلى الضغوط التي تواجه الأسر البريطانية، بما يجعل الزيادة التي طرأت على سقف أسعار الطاقة في يوليو جزءًا من فاتورة أوسع للأزمة.

 

وهنا تتداخل فاتورة الحرب الخارجية مع ميزانية الأسرة داخل بريطانيا؛ فارتفاع تكلفة الطاقة لا يظهر فقط في قيمة الفاتورة الشهرية، وإنما يمكن أن ينتقل عبر تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل إلى أسعار سلع وخدمات أخرى.

 

وبالتالي، فإن أثر الحرب على البريطانيين لا يحتاج إلى أن يظهر في صورة بند يحمل اسم الحرب على فاتورة المنزل؛ فقد يصل إلى الأسرة عبر الوقود والطاقة وأسعار المنتجات والخدمات التي تتأثر بارتفاع تكلفة تشغيلها.

 

التضخم أمام اختبار جديد

تأتي قراءة يوليو بعد أن سجل مؤشر أسعار المستهلكين في بريطانيا 2.6% خلال يونيو، وهو أدنى مستوى للمعدل السنوي منذ سبتمبر 2024، وفق أحدث بيانات منشورة من مكتب الإحصاءات الوطنية.

 

لكن الصورة بدأت تتغير مع دخول سقف أسعار الطاقة الجديد حيز التنفيذ في يوليو، ما دفع الاقتصاديين إلى توقع عودة التضخم إلى الارتفاع بدلًا من مواصلة المسار الهابط الذي ظهر في القراءة السابقة.

 

وتكمن أهمية بيانات يوليو في أنها ستكون أول قراءة رسمية تعكس بصورة كاملة أثر زيادة سقف أسعار الطاقة التي بدأت في الأول من الشهر، ولذلك ستوفر مؤشرًا مبكرًا على حجم الضغوط التي يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد البريطاني خلال النصف الثاني من العام.

 

بنك إنجلترا أمام معادلة أكثر صعوبة

ولا تتوقف تداعيات ارتفاع التضخم عند الأسر وحدها، إذ تضع القراءة المرتفعة بنك إنجلترا أمام معادلة أكثر تعقيدًا في تحديد مسار السياسة النقدية.

 

الارتفاع الناتج عن الطاقة قد يكون في بدايته مرتبطًا بعامل خارجي، لكن استمرار ارتفاع الأسعار لفترة أطول يمكن أن يزيد مخاوف البنك المركزي من تحول الضغوط المؤقتة إلى تضخم أكثر رسوخًا.

 

وتشير الجارديان إلى أن الأسواق تراقب احتمال أن يضطر بنك إنجلترا إلى إعادة التفكير في مسار أسعار الفائدة، في الوقت الذي يتوقع فيه البنك أن يبلغ التضخم ذروة عند 3.2% قبل نهاية العام.

 كما تحذر التقديرات من أن سيناريو أكثر سوءًا قد يدفع التضخم إلى مستويات أعلى خلال العام المقبل.

 

فاتورة الطاقة ليست وحدها

تزداد صعوبة المشهد بالنسبة للأسر لأن ارتفاع فواتير الطاقة يأتي فوق تكاليف معيشة أخرى، ما يعني أن أي زيادة جديدة في بند أساسي من الإنفاق يمكن أن تضيق المساحة المتاحة أمام الأسر للإنفاق على الاحتياجات الأخرى.

 

الأسرة التي تخصص جزءًا أكبر من دخلها للكهرباء والغاز قد تضطر إلى خفض إنفاقها في مجالات أخرى، بينما تواجه الشركات المعادلة نفسها مع ارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار المنتجات والخدمات.

 

وبذلك تتحول زيادة الطاقة من أزمة في أحد بنود الميزانية إلى عامل يمكن أن يؤثر في النشاط الاقتصادي الأوسع، خصوصًا إذا استمرت الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.

 

إجراءات لتخفيف الأثر

في المقابل، تحاول الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات للحد من تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة، من بينها إجراءات مرتبطة بتكلفة الكهرباء والنقل، لكن تقرير الجارديان يشير إلى أن تأثير هذه الإجراءات على معدل التضخم سيكون محدودًا مقارنة بحجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد.

 

وتبقى بيانات التضخم المنتظر صدورها في 19 أغسطس هي الاختبار الأوضح لحجم الأثر الذي خلفته زيادة الطاقة في يوليو، بعدما تحولت الزيادة من قرار تنظيمي معلن إلى تكلفة فعلية تحملتها الأسر خلال الشهر الماضي.

 

من سوق الطاقة إلى مائدة الأسرة

وتكشف التطورات الحالية جانبًا مهمًا من فاتورة الحرب؛ فالحرب لا تحتاج إلى أن تمتد جغرافيًا إلى بريطانيا حتى تصل تداعياتها إلى المواطن البريطاني. يكفي أن تهتز أسواق الطاقة العالمية، وأن ترتفع كلفة الإمدادات، حتى تبدأ آثارها في الظهور داخل الاقتصادات البعيدة عن ساحات القتال.

 

وبالنسبة للأسر البريطانية، فإن السؤال لم يعد فقط إلى أي مدى سيرتفع التضخم في قراءة يوليو، وإنما ما إذا كانت الزيادة في أسعار الطاقة ستظل أثرًا مؤقتًا، أم ستتحول إلى موجة أوسع من ارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا إذا استمرت الحرب في الضغط على أسواق الطاقة خلال الأشهر المقبلة.

 

تأتي بيانات التضخم المرتقبة هذا الأسبوع كرقم اقتصادي مهم، لكنها في الوقت نفسه تحمل دلالة أوسع على الطريقة التي تنتقل بها تداعيات الحرب من أسواق النفط والطاقة العالمية إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسر، في صورة فاتورة كهرباء أعلى، ونفقات أكبر، وقدرة شرائية أضيق.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط كم سيرتفع التضخم البريطاني في يوليو؟، وإنما إلى أي مدى يمكن أن تمتد موجة الغلاء إذا استمرت الحرب واضطراب الطاقة خلال الخريف والشتاء؟

الاخبار العاجلة