
بقلم: لواء مصطفى زكريا
حين نتأمل في معنى الحب، كثيراً ما تختلط أمامنا الصور بين شغف البدايات ولهفة اللقاء ورومانسية اللحظات العابرة؛ غير أن جوهر الحب لا يُختزل في كلمات جميلة أو نظرات حالمة، بل يتجسد في إحساس عميق يسكن القلب: “الأمان”.. فالحب الذي لا يمنح صاحبه الطمأنينة والسكينة، يبقى ناقصا ً مهما بدا براقا ً أو مثيرا ً.
الأمان في الحب ليس مجرد حماية من الخوف الخارجي، بل هو شعور داخلي بأنك في حضرة إنسان يراك كما أنت دون أقنعة، يقبل ضعفك قبل قوتك، ويمنحك مساحة لتكون نفسك بلا تصنع أو خوف من حكم أو إدانة.
حين تجد نفسك قادرا ً على البوح بأسرارك الصغيرة ومخاوفك العميقة دون تردد، فاعلم أنك تعيش حبا ً حقيقيا ً.
الحب الحقيقي لا يَعِدُك بالكمال .. بل بالثبات؛ إنه ليس وعدا ً بأن الحياة ستكون بلا صعاب، بل التزام بأنكما ستواجهان الصعاب معا ً، فهناك فرق بين أن تسير وحدك في طريق مظلم، وبين أن تمسك يدا ً تعرف أنها لن تفلتك مهما طال الظلام. في هذه اللحظة يتجلى المعنى الأسمى للأمان العاطفي.
الأمان أيضا ً يعني الثقة؛ أن تغيب وأنت مطمئن أن الغياب لن يملأه شك، وأن الحضور لا يحتاج إلى اختبارات يومية لإثبات الإخلاص، فالثقة هي عمود هذا البناء، والشك إذا تسلل هدمه مهما كان متينا ً. وربما لهذا السبب قالوا قديما ً إن الحبيب الحقيقي هو من يمنحك راحة البال أكثر من إثارة المشاعر.
ولعل أجمل ما في الأمان أن يُحررك لا أن يقيدك؛ فالحب الزائف قد يخنقك بالغيرة والشكوك والمطالب المستحيلة أما الحب الأصيل فيمنحك جناحين؛ يتركك تحلق بحرية، لكنه يبقى هو السماء التي تطمئن إليها مهما ابتعدت. هنا فقط يصبح الحب سندا ً للحياة، لا عبئا ً يزيدها عناء ً.
إننا نبحث عن الأمان منذ طفولتنا، في أحضان الأم، وفي كنف الأب، ثم نواصل رحلة البحث في وجوه الآخرين؛ غير أن القلة فقط هم من ينجحون في أن يكونوا مرسىً آمنا ً لنا وسط عواصف الحياة؛ ومن يجد هذا المرسى، فقد امتلك أثمن ما يمكن أن يقدمه الحب وهو سكينة الروح.
في النهاية؛ الحب الحقيقي ليس قصة مثالية تُروى، بل تجربة تُعاش، هو أن تنام وأنت مطمئن أن هناك قلبا ً يسهر على راحتك بالدعاء والوفاء، وأن تستيقظ وأنت تدرك أن حضور هذا القلب بجوارك هو مكسبك الأكبر في هذه الحياة.
