
بقلم مصطفى زكريا
من أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقات الإنسانية أن يتحول الفضل إلى واجب، والجميل إلى حق مكتسب، والعطاء إلى أمرٍ معتاد لا يلفت الانتباه ولا يستدعي الشكر.
في البداية يقدّر الإنسان ما يُقدَّم له، ويشعر بقيمته، وربما يعبّر عن امتنانه له؛ لكن مع مرور الوقت، ونتيجة الاعتياد، يبدأ الشعور بالتقدير في التراجع تدريجيا ً، حتى يصل الأمر عند بعض الناس إلى الاعتقاد بأن ما يحصلون عليه حق طبيعي لا يستوجب الاعتراف بفضل صاحبه أو حتى مراعاة مشاعره.
وهنا تبدأ المأساة ؛
فكم من أبٍ وأمٍ أفنيا سنوات العمر في التربية والرعاية والتضحية، وحرما أنفسهما من أشياء كثيرة من أجل إسعاد أبنائهما، ثم فوجئا بعد سنوات بأن كل ما قدماه أصبح في نظر البعض واجبا ً لا يستحق كلمة شكر، وكأن تلك التضحيات كانت التزاما ً أبديا ً لا نهاية له.
وكم من زوجة تحملت وصبر وساندت زوجها في أصعب الظروف، أو زوج بذل من وقته وجهده وصحته من أجل أسرته، ثم اكتشف أحدهما أن ما كان يقدمه بدافع الحب والإخلاص أصبح أمرا ً عاديا ً لا يثير أي تقدير لدى الطرف الآخر.
بل إن الأمر لا يقتصر على الأسرة فقط، فكم من صديق أو قريب أو زميل ظل يقدم المساندة والعون كلما طُلب منه ذلك، حتى اعتاد الآخرون وجوده، فإذا اعتذر مرة واحدة أو قصّر لعذرٍ خارج عن إرادته، انقلب اللوم عليه وكأنه ارتكب جريمة.
إن المشكلة ليست في العطاء فالعطاء من أنبل الصفات الإنسانية، وإنما المشكلة في غياب الامتنان . فالامتنان ليس كلمة تُقال فحسب؛ بل هو شعور يحفظ التوازن بين الناس، ويمنع القلوب من القسوة، ويجعل الإنسان مدركاً
لقيمة من يقفون إلى جواره ويساندونه في رحلة الحياة.
والحقيقة أن كثيراً من البشر لايدركون قيمة النعمة إلا بعد فقدانها، ولا يشعرون بحجم ما كان يُقدَّم لهم إلا عندما يتوقف ذلك العطاء أو يغيب صاحبه، عندها فقط تبدأ المقارنات، وتبدأ المراجعات، ويبدأ الندم .. لكن المؤسف أن الندم يأتي أحيانا ًبعد فوات الأوان، ولهذا فإن من الحكمة ألا نعتاد وجود الأشخاص الطيبين في حياتنا إلى درجة تجعلنا ننسى فضلهم، وألا نتعامل مع محبتهم وعطائهم وكأنها حقوق مضمونة لا تنقطع.
فليس كل ما اعتدت وجوده حولك حقا ً لك، وليس كل من يصبر عليك أو يعطيك أو يسندك ملزما ً بأن يفعل ذلك إلى الأبد.
بعض الناس استمروا في العطاء سنوات طويلة ليس لأنهم مطالبون بذلك، بل لأن أخلاقهم كانت أكبر من حسابات المكسب والخسارة.
وحين يتوقف عطاؤهم يوما ً، لا تكون المشكلة أنهم تغيّروا، بل أن الآخرين اكتشفوا متأخرين قيمة ما كانوا يحصلون عليه دون أن .يشعروا.
