من التعهد إلى التنفيذ

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
علي الدكروري
علي الدكروري

بقلم: د. علي الدكروري

لم تعد المشكلة الأساسية التي تواجه الاستثمار في أفريقيا هي غياب الفرص، فالقارة تمتلك ما يكفي من الموارد والأسواق والاحتياجات التنموية لكي تكون واحدة من أهم وجهات الاستثمار العالمي خلال العقود المقبلة. المشكلة الحقيقية أصبحت في المسافة التي تفصل بين الإعلان عن الفرصة وبين تحويلها إلى مشروع ممول وقائم على الأرض.

خلال السنوات الأخيرة، شهدنا عشرات المؤتمرات والقمم والمنتديات التي أعلنت عن فرص استثمارية بمليارات الدولارات، ووقعت خلالها مذكرات تفاهم واتفاقيات أولية عديدة. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم تبلغ قيمة الاستثمارات المعلنة؟ بل: كم منها وصل بالفعل إلى مرحلة الإغلاق المالي والتنفيذ؟

وهنا يكمن أحد أهم التحديات أمام الاقتصاد الأفريقي.

القارة لا تعاني نقصًا في المشروعات التي تحتاج إلى الاستثمار. هناك احتياجات ضخمة في الطاقة، والبنية الأساسية، والزراعة، والصناعات الغذائية، والتعدين، والنقل، والخدمات اللوجستية، والصحة، والتعليم، والتحول الرقمي. كما أن النمو السكاني وارتفاع حجم الطبقة الوسطى وتوسع المدن يخلقان أسواقًا جديدة وفرصًا يصعب تجاهلها.

لكن المستثمر لا يتعامل مع الإمكانات وحدها، بل يحتاج إلى مشروع يستطيع تقييم مخاطره وعوائده بوضوح.

وهناك فارق كبير بين أن نقول إن دولة أفريقية تحتاج إلى محطة كهرباء بمليار دولار، وبين أن نقدم مشروعًا جاهزًا للتمويل، له دراسة جدوى واضحة، وأرض مخصصة، وتراخيص مكتملة، واتفاقيات شراء، وتدفقات نقدية متوقعة، وتوزيع محدد للمخاطر، وآلية واضحة لتحويل الأرباح ورأس المال.

الفارق بين فرصة استثمارية واستثمار حقيقي هو القدرة على الوصول إلى الإغلاق المالي.

وهذه النقطة يجب أن تصبح محورًا أساسيًا في سياسات الاستثمار الأفريقية خلال المرحلة المقبلة.

المطلوب ليس فقط زيادة عدد المؤتمرات الاستثمارية، وإنما إنشاء منظومة تستطيع تحويل الفرص إلى مشروعات قابلة للتمويل أو ما يعرف عالميًا بـ Bankable Projects.

وذلك يبدأ من مرحلة إعداد المشروع نفسها.

فالحكومات التي ترغب في جذب المستثمر الجاد تحتاج إلى الاستثمار في الدراسات الفنية والمالية، وإعداد هياكل التمويل، وتحديد المخاطر التنظيمية والتجارية، وتوفير المعلومات بصورة شفافة، قبل أن تطرح المشروع على المستثمرين.

كل دولار يتم إنفاقه بصورة صحيحة على إعداد مشروع كبير قد يفتح الباب أمام عشرات أو مئات الملايين من الدولارات من الاستثمارات.

كما أن المؤسسات المالية الأفريقية والإقليمية يمكن أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في هذه المرحلة، ليس فقط كممول نهائي للمشروع، ولكن كشريك في تطويره وإعداده.

وهناك أيضًا عامل بالغ الأهمية يتعلق بالمستثمرين الموجودين بالفعل داخل القارة.

فعندما يقوم مستثمر أجنبي يعمل في دولة أفريقية منذ سنوات بإعادة استثمار أرباحه وتوسيع نشاطه، فإن ذلك يحمل رسالة ربما تكون أقوى من أي حملة ترويجية.

هذا المستثمر يعرف السوق، وتعامل مع المؤسسات، واختبر البيئة الاقتصادية، ثم قرر أن يضع أموالًا إضافية داخل الدولة.

ولذلك فإن جذب المستثمر الجديد يجب ألا يكون على حساب الاهتمام بالمستثمر القائم.

أفضل إعلان عن مناخ الاستثمار هو مستثمر ناجح يقرر التوسع.

ومن هنا تحتاج الحكومات الأفريقية إلى بناء علاقة طويلة المدى مع المستثمر، تبدأ قبل دخوله السوق وتستمر طوال عمر المشروع، من خلال سرعة الإجراءات، وحل المشكلات، واستقرار القواعد، وحماية الحقوق، وتوفير القدرة على التخطيط طويل الأجل.

ولا يعني ذلك أن أفريقيا يجب أن تقدم تنازلات غير محسوبة للمستثمرين.

على العكس، الاستثمار الناجح هو الذي يحقق مصلحة مشتركة.

الدولة تحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا وفرص العمل والصادرات، والمستثمر يحتاج إلى سوق وعائد واستقرار، والمجتمع يحتاج إلى أن يشعر بأن الاستثمار يخلق قيمة حقيقية وليس مجرد استخراج للموارد.

وهنا تصبح جودة الاستثمار أهم من حجمه.

فالاستثمار الذي ينشئ مصنعًا ويخلق سلسلة توريد محلية ويدرب العمال وينقل التكنولوجيا ويزيد الصادرات أكثر قيمة للاقتصاد من تدفقات مالية قصيرة الأجل قد تدخل وتخرج سريعًا من السوق.

وهذه نقطة مهمة بشكل خاص للقارة الأفريقية.

فمستقبل أفريقيا الاقتصادي لن يُبنى فقط على تصدير المواد الخام، وإنما على زيادة القيمة المضافة داخل القارة.

بدلًا من تصدير المعادن، يجب أن تتوسع صناعات المعالجة والتصنيع.

وبدلًا من تصدير المنتجات الزراعية في صورتها الأولية، يجب بناء صناعات غذائية متكاملة.

وبدلًا من استيراد كل المعدات والتكنولوجيا، يجب أن تتشكل تدريجيًا قواعد صناعية محلية وشراكات مع المستثمرين الدوليين.

كما أن منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تقدم فرصة تاريخية لدعم هذا الاتجاه، لأن المستثمر لم يعد مضطرًا إلى النظر لكل دولة أفريقية كسوق منفصل، بل يمكنه أن يبدأ في التفكير في القارة كسوق مترابطة تضم أكثر من مليار مستهلك.

لكن نجاح هذه الرؤية يتطلب بنية أساسية وربطًا لوجستيًا وتنسيقًا في السياسات، كما يتطلب مشروعات جاهزة للاستثمار.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل فيها المنافسة بين الدول الأفريقية من السؤال التقليدي: من يقدم حوافز أكبر؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع تقديم مشروع أفضل وأكثر جاهزية وأقل مخاطرة؟

رأس المال العالمي موجود، ويبحث باستمرار عن الفرصة الجيدة.

وأفريقيا تمتلك الكثير من هذه الفرص.

ما نحتاج إليه الآن هو بناء الجسر بين الاثنين.

وكلما نجحت القارة في تحويل مواردها واحتياجاتها وأفكارها إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، ستصبح الأرقام التي نسمع عنها في مؤتمرات الاستثمار أقل اعتمادًا على التعهدات، وأكثر تعبيرًا عن مصانع ومحطات وموانئ ومزارع ومراكز تكنولوجية تعمل بالفعل.

أفريقيا لا تحتاج إلى إثبات أنها قارة الفرص.

هذه الحقيقة أصبحت واضحة.

التحدي الحقيقي الآن هو أن تثبت قدرتها على تحويل الفرصة إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية مستدامة.

*كاتب المقال: رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية.

الاخبار العاجلة