تجد بغداد نفسها أمام تحدٍّ سياسي غير مسبوق، مع انتهاء المهلة التي حملتها الرسائل الأميركية الأخيرة للحكومة العراقية، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع العملية السياسية في العراق أمام اختبار مباشر في علاقتها مع واشنطن.
وتأتي هذه التطورات للمرة الأولى منذ تشكيل أول حكومة منتخبة عقب انتخابات عام 2005، في ظل أزمة سياسية تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، خصوصاً بشأن تشكيل الحكومة الجديدة ومستقبل التحالفات السياسية.
وتعد الولايات المتحدة الراعي الأبرز للنظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003، عقب إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إذ وقّع البلدان خلال ولاية الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن ورئاسة الوزراء العراقية بقيادة نوري المالكي «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» عام 2008، التي دخلت حيز التنفيذ في العام التالي لتنظيم التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين الجانبين.
توتر سياسي متصاعد
وتصاعدت حدة التوتر أخيراً بعد اتهامات أميركية للمالكي بالانحياز إلى إيران، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفضه تولي المالكي رئاسة الحكومة مجدداً، في موقف اعتُبر رسالة سياسية مباشرة تقلّص فرص عودته إلى السلطة.
ويرى باحثون عراقيون أن العلاقة بين بغداد وواشنطن دخلت مرحلة مختلفة مقارنة بمرحلة ما بعد 2003، مع تغيّر أولويات السياسة الأميركية تجاه المنطقة، وانتقالها من نهج دعم بناء الأنظمة السياسية إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية والأمنية.
تعثر الاستحقاقات الدستورية
بالتوازي مع الضغوط الخارجية، تواجه القوى السياسية العراقية صعوبات في حسم الاستحقاقات الدستورية، إذ لم تتوصل الأحزاب الكردية إلى اتفاق بشأن مرشح رئاسة الجمهورية، فيما أخفق «الإطار التنسيقي» في استكمال مسار تشكيل الحكومة رغم طرح المالكي مرشحاً بارزاً.
ومع تجاوز المدد الدستورية لتشكيل السلطة التنفيذية، طلبت رئاسة البرلمان تفسيراً من المحكمة الاتحادية بشأن إمكانية استمرار عمل البرلمان من دون حكومة مكتملة الصلاحيات، في ظل استمرار حالة الجمود السياسي.
أزمة أعمق في العلاقة مع واشنطن
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تتجاوز مسألة ترشيح شخصية بعينها لرئاسة الوزراء، لتكشف خللاً أوسع في إدارة العلاقة العراقية – الأميركية، وسط انقسام داخلي يضعف قدرة بغداد على التأثير في دوائر صنع القرار داخل واشنطن.
وتشير التقديرات إلى أن مستقبل العملية السياسية في العراق بات مرتبطاً بقدرة القوى السياسية على إعادة صياغة توازناتها الداخلية، وإدارة علاقتها مع الولايات المتحدة في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.














