تراجعت مديونية مصر لدى صندوق النقد الدولي إلى نحو 9.3 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، في مؤشر على تحسن قدرة القاهرة على الوفاء بالتزاماتها، إلا أن خبراء اقتصاديين حذروا من أن انخفاض ديون الصندوق لا يعني انتهاء أزمة الدين، في ظل استمرار ارتفاع إجمالي الدين الخارجي وضغوط خدمة الدين على الموازنة.
وقال محمد معيط، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي وممثل المجموعة العربية بالصندوق، إن الحكومة المصرية سددت نحو 16 مليار دولار للصندوق منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي في عام 2016، فيما بلغت إجمالي التمويلات التي حصلت عليها مصر من الصندوق خلال هذه الفترة نحو 25.3 مليار دولار.
وجاءت أحدث دفعة تمويلية لمصر في 31 يوليو الماضي، عندما وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد على صرف نحو 1.8 مليار دولار، عقب استكمال المراجعة السابعة لبرنامج التمويل الممدد والمراجعة الثانية لاتفاق تسهيل الصلابة والاستدامة.
ورغم عدم تخلف مصر عن سداد أي من التزاماتها، ارتفع إجمالي الدين الخارجي للبلاد إلى نحو 164.776 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من العام المالي 2025-2026، مقارنة بنحو 163.911 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
وترى أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، أن استمرار ارتفاع الدين الخارجي رغم انخفاض مديونية صندوق النقد يعكس مشكلة أعمق مرتبطة بقدرة الاقتصاد المصري على توليد موارد مستدامة من العملة الأجنبية.
وقالت الحماقي إن معالجة أزمة الدين تتطلب زيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، مشيرة إلى أن ارتفاع فاتورة الاستيراد يؤدي إلى عجز متكرر في الميزان التجاري، ويدفع الحكومة إلى الاقتراض لتغطية الفجوات التمويلية.
وتفاقم عجز الميزان التجاري السلعي لمصر بنسبة 50.7% خلال النصف الأول من العام الحالي، ليصل إلى نحو 22.6 مليار دولار، نتيجة نمو الواردات بوتيرة تفوق نمو الصادرات، بحسب بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وفي المقابل، تحسنت بعض مصادر النقد الأجنبي، بدعم من عوائد السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي، إلى جانب عودة تدفقات الأموال الساخنة، إلا أن هذه الموارد لا تزال، وفق خبراء، غير كافية لتغطية كامل احتياجات الاقتصاد التمويلية.
وخلال اجتماع مع مسؤولين حكوميين، الاثنين، أكد وزير المالية أحمد كجوك أن الحكومة تستهدف تحسين مؤشرات مديونية أجهزة الموازنة بصورة قوية، بما يتيح خلق حيز مالي أكبر لدعم المواطنين والمستثمرين.
وكان كجوك قد أعلن في أبريل الماضي أن الموازنة العامة للعام المالي 2026-2027 تضع خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة ضمن أولوياتها، بالتوازي مع العمل على خفض تكلفة الاقتراض وتحسين هيكل الدين العام.
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي أحمد شوقي أن تراجع ديون مصر لصندوق النقد يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه شدد على أن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة الاقتصاد على تحمل أعباء الدين واستدامتها دون التأثير سلباً على النمو والإنفاق العام.
وأشار شوقي إلى أن انخفاض أعباء الدين الخارجي مقارنة بحصيلة الصادرات سيكون مؤشراً أكثر دلالة على تجاوز أزمة القروض، مؤكداً أن زيادة الصادرات وتقليص فاتورة الاستيراد يمثلان عاملين أساسيين لتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات.
كما دعا إلى توجيه الاقتراض نحو مشروعات إنتاجية قادرة على توليد عوائد من النقد الأجنبي، بدلاً من استخدامه في أنشطة لا تحقق موارد دولارية، مؤكداً حاجة الاقتصاد المصري إلى التحول تدريجياً نحو نموذج إنتاجي أكثر قدرة على توليد العملة الأجنبية.
وتعرض الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية لضغوط خارجية وإقليمية أثرت على السيولة الدولارية، ما دفع الحكومة إلى الاعتماد على برامج تمويلية متكررة مع صندوق النقد، إلى جانب اللجوء إلى مؤسسات تمويل دولية للحصول على قروض ومنح لتلبية احتياجات التمويل.
وكان ملف الدين العام قد أثار جدلاً واسعاً في مصر خلال مايو الماضي، بعد تصريحات نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الذي وصف وضع الدين العام بأنه «مأساوي»، مشيراً إلى أن خدمة الدين تستهلك نحو 60% من إيرادات الدولة.
ويواصل ملف الاقتراض وخدمة الدين إثارة نقاشات داخل مجلس النواب، وسط مطالبات بزيادة الاعتماد على الموارد المحلية والإنتاج والصادرات، بما يقلل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي ويعزز قدرة الاقتصاد على تحمل أعباء الديون مستقبلاً.













