معاقبة الصادقين!!

منذ 60 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل العقوبات تأتي بسبب الأخطاء ، فبعض البشر يدفعون أثمانا ً باهظة .. فقط لأنهم كانوا صادقين أكثر من اللازم.
هناك من يدخل العلاقات بقلبه الكامل،ويتعامل بعفوية، ويقول ما يشعر به دون أقنعة، ويمنح اهتمامه بصدق، ويظن أن الوضوح فضيلة تكفي لحماية المشاعر.
لكنه يكتشف مع الوقت أن العالم لا يكافئ الجميع بالطريقة نفسها، وأن بعض النفوس لا تُجيد قراءة الصدق إلا باعتباره ضعفا ً، ولا ترى العاطفة النقية إلا مساحة قابلة للاستغلال.

وهنا تبدأ القسوة الحقيقية.
أن يشعر الإنسان أنه يُعاقَب لأنه لم يكن منافقا ً، أو لأنه لم يُتقن لعبة البرود، أو لأنه لم يُخفِ اهتمامه، أو لأنه منح مشاعره بصدق لمن لم يُقدّر قيمتها.
فيتحول السؤال داخله من لماذا حدث هذا؟
إلي “هل أخطأت حين كنت حقيقيا ً ؟”
وهذا من أقسى أنواع الألم النفسي، لأن الإنسان لا يشعر وقتها بخسارة علاقة فقط،
بل يشعر أحيانا ً وكأنه يُعاقَب على أنقى ما فيه.

لكن الحقيقة الأعمق؛ أن المشكلة لا تكون في الصدق نفسه، بل فيمن لا يعرف كيف يتعامل معه.
فالنفوس المشوشة ترتبك أمام الإنسان الواضح، والشخص المعتاد على الأقنعة يخاف ممن يتحدث بعفوية، ومن تعود على المصالح قد يستغرب وجود إنسان يمنح دون حسابات.
ولذلك؛ كثيرا ً ما يُساء فهم أصحاب القلوب الصافية، ليس لأنهم مخطئون .. بل لأن وجودهم يكشف الفرق بين النقاء والتصنع.
ومع الوقت، يتعلم بعض الصادقين القسوة، لا كًرها ً في المشاعر، بل دفاعا ً عن أنفسهم.
فيقلّ الكلام، وتخفّ المبادرات،
ويصبح الحذر بديلا ً عن العفوية، لا لأن أرواحهم تغيّرت،
بل لأن التجارب علّمتهم أن الصدق غير المحمي بالوعي قد يتحول إلى وجع.
ومع ذلك تبقى الحقيقة الثابتة:
أن الخطأ ليس في أن تكون حقيقيا ً، بل في أن تمنح حقيقتك لمن لا يعرف قيمتها.
فالصدق لا يُعيب صاحبه، والعاطفة ليست ضعفا ً، والنقاء ليس سذاجة.
لكن الحكمة الحقيقية هي أن تعرف أين تضع قلبك، ومتى تتكلم، ولمن تمنح ذلك الجزء الصادق النادر منك.
لأن بعض البشر لا يستحقون نقاء الأرواح، بل يستهلكونه فقط ثم يرحلون.

الاخبار العاجلة