
بقلم: بسام فقيه
في يومين تشريعيين متتاليين، أقدم مجلس النواب اللبناني على خطوتين يفترض أن تكونا من العلامات الفارقة في مسار العدالة اللبنانية: إلغاء عقوبة الإعدام، وإقرار قانون العفو العام، وهو الأول من نوعه منذ عام 1991. (الجزيرة نت)
خطوتان يمكن النظر إليهما بإيجابية من زاوية حقوق الإنسان ومعالجة أزمة السجون، لكنهما تفتحان في الوقت نفسه نقاشاً أعمق حول طبيعة العدالة في لبنان: هل نحن أمام انتقال فعلي إلى دولة القانون، أم أمام تسوية سياسية جديدة لملفات عجزت الدولة عن حسمها بالقضاء؟
إلغاء عقوبة الإعدام هو، في جوهره، خطوة تستحق الإشادة.
فالدولة التي تمنع نفسها من قتل المحكوم عليه، حتى في أصعب الجرائم، تؤكد أن العقوبة ليست انتقاماً، وأن حق الإنسان في الحياة لا يسقط لمجرد صدور حكم بحقه. كما أن إلغاء الإعدام يضع حداً نهائياً لإمكانية وقوع خطأ قضائي لا يمكن إصلاحه بعد تنفيذ الحكم.
لكن قيمة هذا القرار لا تكتمل بمجرد إلغاء الإعدام من النصوص. فالدولة التي تلغي الإعدام مطالبة بأن تؤمّن في المقابل قضاءً مستقلاً وسريعاً، ومحاكمات عادلة، وسجوناً تحفظ كرامة الإنسان. وإلا فإن تغيير اسم العقوبة لن يغيّر جوهر المشكلة.
أما العفو العام، فهو أكثر تعقيداً وحساسية.
لا يمكن تجاهل واقع السجون اللبنانية، حيث بلغ عدد المحبوسين 6268 شخصاً حتى نهاية آذار الماضي، فيما بلغت نسبة الاكتظاظ نحو 300% وفق الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان. وبين هؤلاء موقوفون أمضوا سنوات خلف القضبان من دون محاكمات. (الجزيرة نت)
هذه وحدها مشكلة عدالة كبرى.
فمن حق الدولة أن تعاقب من تثبت إدانته، لكن ليس من حقها أن تجعل التوقيف الاحتياطي عقوبة مفتوحة. ومن حق المواطن أن يُحاكم، لا أن يبقى سنوات ينتظر محاكمة قد تأتي أو لا تأتي.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى العفو العام كضرورة لمعالجة تراكم طويل من الخلل في السجون والقضاء.
لكن المشكلة اللبنانية أن العفو العام لم يكن يوماً مجرد ملف قضائي.
منذ عقود، تحوّل ملف الموقوفين إلى جزء من الصراع السياسي والطائفي. كل جماعة كانت تبحث عن تحرير موقوفيها، وكل فريق يريد أن يرى في القانون إنصافاً لجماعته قبل أن يراه قاعدة عامة تنطبق على الجميع.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
العفو ليس بديلاً عن العدالة.
إذا كان شخص قد أوقف سنوات من دون محاكمة، فالمطلوب محاكمته. وإذا كان بريئاً، فليخرج بحكم قضائي. وإذا كان مذنباً، فليتحمل العقوبة التي يفرضها القانون.
أما أن يصبح القانون الاستثنائي هو الطريق الوحيد إلى الحرية، فهذا يعني أن الدولة تعترف عملياً بفشل آليات العدالة الطبيعية.
والأخطر أن يتحول العفو إلى ما يشبه المقايضة الطائفية: موقوفون من هنا مقابل مطلوبين من هناك، ومصلحة طائفة مقابل مصلحة طائفة أخرى.
لبنان جرّب هذه المعادلة بعد الحرب الأهلية، عندما أُقر قانون العفو عام 1991 عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب، من دون أن ترافقه مساءلة حقيقية أو مصالحة شاملة أو عدالة للضحايا. (الجزيرة نت)
ولهذا، فإن التحدي اليوم هو ألا يتحول قانون العفو الجديد إلى نسخة أخرى من ثقافة “لا غالب ولا مغلوب”، لكن داخل السجون.
العفو يمكن أن يكون فرصة لإغلاق ملفات عالقة منذ سنوات، ومعالجة الاكتظاظ، وتصحيح بعض المظالم، وإعادة إدماج أشخاص في المجتمع.
لكنه يصبح خطيراً إذا أعاد إنتاج فكرة أن اللبناني لا يحصل على حقه من القضاء، بل من السياسي الذي يفاوض باسمه.
وهذا تحديداً ما يجب أن تنتبه إليه الدولة.
فالعدالة لا تكون طائفية، ولا حزبية، ولا مناطقية.
وإذا كان هناك موقوفون تعرضوا لظلم سياسي أو أمني، فإن إنصافهم يجب أن يكون جزءاً من بناء دولة القانون، لا انتصاراً سياسياً لطائفة على أخرى.
أما إدراج ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد عام 2000 ضمن القانون، فيفتح بدوره صفحة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان. فالمصالحة الوطنية لا يمكن أن تقوم على الانتقام الأبدي، كما لا يمكن أن تقوم على محو المسؤوليات والضحايا والوقائع. المطلوب هو معالجة هذا الملف أيضاً بمنطق الدولة والقانون، لا بمنطق الثأر ولا بمنطق التبرئة السياسية الشاملة.
في المحصلة، إلغاء الإعدام والعفو العام يمكن أن يكونا خطوتين في الاتجاه الصحيح، لكنهما ليسا إصلاحاً للعدالة بحد ذاتهما.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما لا يعود لبنان بحاجة إلى عفو عام كل عدة عقود.
وعندما لا يبقى موقوف سنوات بانتظار محاكمة.
وعندما لا يحتاج المواطن إلى زعيم أو حزب أو طائفة كي يخرج من السجن.
وعندما يصبح القضاء قادراً على القول: هذا بريء، وهذا مذنب، وهذا حقه، وهذا عقابه، بعيداً عن حسابات السياسة والطوائف.
إلغاء عقوبة الإعدام يقول إن الدولة لا يجب أن تنتقم.
والعفو العام يقول إن الدولة مستعدة لطي بعض الملفات.
لكن ما يحتاجه لبنان فعلاً هو أن يتعلم كيف يمنع تكرار الملفات التي يحتاج إلى العفو عنها.
فإذا كانت هذه القوانين بداية لإصلاح القضاء والسجون، فهي خطوة تاريخية.
أما إذا بقيت مجرد تسوية سياسية لتصفية ملفات مؤجلة، فسنكتشف بعد سنوات أننا لم نغلق صفحة الماضي، بل أجلناها إلى قانون عفو جديد.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
