
بقلم: لواء مصطفى زكريا
في عالم ٍ تتسارع فيه الأخبار قبل الحقائق، وتتصدر فيه العناوين قبل التدقيق، خرجت علينا خلال الساعات الماضية موجة من التحليلات التي تتحدث عن “زلزال لوجستي” تقوده شركة MSC، وعن “وداع جبل علي” و”نهاية الممرات البحرية الخطرة”.
لكن؛ هل نحن فعلا ً أمام تحول تاريخي بهذا الحجم؟
أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة تموضع تكتيكي فرضته ظروف اللحظة؟
الحقيقة، كما هي دائما ً، أكثر هدوءا ًوأكثر عمقا ً.
ما أعلنته الشركة ليس خروجا ً من الخليج، ولا استغناء ً عن موانئه، بل إطلاق مسار جديد يعتمد على تكامل بحري – بري يبدأ من أوروبا مرورا ً بقناة السويس، وصولا ً إلى موانئ البحر الأحمر في السعودية، ثم انتقال البضائع برا ً إلى شرق المملكة، ومنها تُستكمل رحلتها داخل الخليج.
هذا النموذج، المعروف بـ “الجسر البري”، ليس فكرة جديدة، لكنه اليوم يُعاد طرحه بقوة تحت ضغط الواقع الجيوسياسي، خاصة مع التوترات في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، والتي دفعت شركات الشحن العالمية إلى البحث عن مسارات أقل مخاطرة ولو كانت أعلى تكلفة.
وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية:
هذا المسار لا يُلغي الممرات البحرية، بل يُكملها .. فالنقل البحري سيظل العمود الفقري للتجارة العالمية لأسباب تتعلق بالتكلفة والكفاءة والقدرة الاستيعابية، بينما يأتي النقل البري كأداة مساعدة في أوقات الأزمات أو في الحالات التي تتطلب سرعة أعلى.
أما الحديث عن “سقوط” ميناء جبل علي، فهو طرح يفتقر إلى الواقعية؛ فالميناء ليس مجرد محطة تفريغ، بل منظومة لوجستية متكاملة، ترتبط بشبكات توزيع ومناطق حرة تجعل استبداله قراراً استراتيجياً معقدا ً، لا يتم بين ليلة وضحاها.
لكن، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن ما يحدث يحمل دلالات مهمة.
أولها أن السعودية تتحرك بثبات لتثبيت موقعها كمحور لوجستي إقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على الربط بين البحرين الأحمر والعربي.
وثانيها أن مصر، عبر قناة السويس، لا تزال في قلب المعادلة، بل ربما تزداد أهميتها مع أي مسار يمر عبر البحر الأحمر.
وثالثها أن العالم بدأ بالفعل يفكر بجدية في تقليل الاعتماد الكامل على “نقاط الاختناق” البحرية، خاصة في أوقات التوتر.
لكن بين التفكير في البدائل والقدرة على استبدال الواقع مسافة كبيرة فالممرات البحرية لم تُبنَ صدفة، ولم تفرض نفسها اعتباطا ً، بل جاءت نتيجة عقود من التراكم الاقتصادي والبنية التحتية والتكامل العالمي، وهو ما لا يمكن تجاوزه بمجرد قرار، مهما كان حجمه.
ما يحدث إذن ليس ثورة؛ بل بداية تحو، وهو لا يعني الهدم، بل إعادة التوازن.
ولا يعني الإلغاء؛ بل توزيع المخاطر.
ولا يعني نهاية مرحلة، بل إعادة قراءة قواعدها.
وفي تقديري؛ فإن السؤال الأهم ليس: هل انتهى زمن الممرات الإجبارية؟
بل: هل تنجح المنطقة في تحويل هذا الظرف إلى فرصة لبناء منظومة لوجستية متكاملة، لا تعتمد على موقع جغرافي فقط، بل على كفاءة تشغيلية وقدرة تنافسية حقيقية؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الخريطة القادمة، لا العناوين المتداولة، ولا الضجيج الإعلامي.
