بعد الاستيلاء على قلعة الشقيف.. ماذا تكسب إسرائيل من السيطرة على تاريخ لبنان؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
بعد الاستيلاء على قلعة الشقيف.. ماذا تكسب إسرائيل من السيطرة على تاريخ لبنان؟
تقرير: فاطمة خليفة

في واحدة من كبرى جرائم الاحتلال، اقتحمت القوات الإسرائيلية قلعة الشقيف اللبنانية، معلنة الاستيلاء على قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر، في واقعة عسكرية أضيفت إلى سجل الجرائم الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان.

 

جاءت الخطوة في لحظة تشهد تصعيدًا إسرائيليًا جديدًا، وخاصة بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي توسيع العمليات ضد الحزب، مما منح السيطرة على الموقع أبعادًا تتجاوز قيمته التاريخية والأثرية.

 

ومع إعلان إسرائيل السيطرة على القلعة خلال عملياتها العسكرية الأخيرة، عاد هذا الموقع التاريخي إلى قلب الأحداث، ليس باعتباره معلمًا أثريًا فحسب، بل كجزء من حسابات الحرب الدائرة على الحدود اللبنانية

 

تزامن إعلان السيطرة على القلعة مع توسيع إسرائيل عملياتها ضد حزب الله، دفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت الخطوة تستهدف تحقيق مكسب عسكري مباشر، أم أنها تحمل رسائل أوسع تتعلق بطبيعة المعركة التي تخوضها تل أبيب في جنوب لبنان. 

 

لم يكن اقتحام القلعة حدثًا عسكريًا عابرًا في سياق المواجهة المتواصلة مع حزب الله، بل خطوة حملت أبعادًا تتجاوز الميدان إلى التاريخ والجغرافيا والرمزية السياسية. 

 

الموقع الذي اختير ليس نقطة عسكرية حديثة أو منشأة قتالية، بل معلم تاريخي ارتبط بمحطات بارزة من تاريخ المنطقة. 

فالقلعة التي ظلت لقرون واحدة من أبرز معالم جنوب لبنان عادت إلى واجهة الأحداث، باعتبارها جزءًا من حسابات الحرب.

 

كما أن توقيت العملية يحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن بعدها العسكري. فقد تحدثت تل أبيب منذ أسابيع عن ضرورة زيادة الضغط على حزب الله، بينما تتهمها أطراف إقليمية بالسعي إلى فرض وقائع جديدة في لبنان بالتوازي مع المفاوضات الجارية حول ملفات المنطقة. 

 

ومن هذا المنظور، تبدو السيطرة على موقع مرتفع وتاريخي جزءًا من محاولة توسيع هامش النفوذ الميداني قبل أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

 

تعد قلعة الشقيف، المعروفة أيضًا باسم “قلعة بوفور”، واحدة من أشهر القلاع التاريخية في لبنان. 

ويرجع تاريخها إلى العصور الوسطى، وشهدت مرور قوى وإمبراطوريات متعددة على المنطقة، من الصليبيين إلى المماليك والعثمانيين. 

على مدى قرون، لعبت القلعة دورًا دفاعيًا بسبب موقعها الاستثنائي فوق مرتفع صخري يشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، مما جعلها هدفًا دائمًا لكل قوة سعت إلى فرض نفوذها على المنطقة.

 

واليوم، يبدو أن الاعتبارات ذاتها عادت لتفرض نفسها في ساحة قتال تستخدم فيها الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الرصد الحديثة.

 

ويأتي الاستيلاء على الموقع في سياق تحول ملحوظ في طبيعة العمليات الإسرائيلية داخل لبنان. 

فبعد أشهر من الاعتماد على الضربات الجوية والقصف المدفعي، بدأت التحركات الميدانية تركز بصورة أكبر على السيطرة على المواقع المرتفعة والنقاط التي توفر أفضلية ميدانية على الأرض. 

 

يعكس ذلك رغبة إسرائيلية في تعزيز حضورها المباشر في بعض المناطق الحدودية، بدل الاكتفاء بسياسة الاستهداف عن بعد.

 

في المقابل، يضع هذا التطور حزب الله أمام تحدٍ إضافي. فالمعركة لم تعد تقتصر على تبادل القصف أو استهداف المواقع العسكرية، بل باتت تشمل التنافس على النقاط التي تمنح أفضلية في الرصد والسيطرة والتحكم بالميدان.

 ومع كل موقع جديد تتغير حسابات الانتشار والتحرك على جانبي الحدود.

 

وتنبع أهمية القلعة الجغرافية من موقعها المطل على وادي الليطاني ومحيطه، حيث توفر رؤية واسعة للقرى والطرق الحيوية في الجنوب اللبناني. 

 

ولهذا لم تكن قيمتها مرتبطة بجدرانها الحجرية أو إرثها التاريخي فحسب، بل بقدرتها على منح من يسيطر عليها أفضلية في الرصد والمتابعة والتحكم بالمجال المحيط. 

 

وفي الحروب الحديثة، ورغم التطور الكبير في وسائل المراقبة والاستطلاع، ما زالت المرتفعات الحاكمة تحتفظ بأهميتها العسكرية والاستراتيجية.

أما من الناحية الرمزية، فقد ارتبط اسم القلعة في الذاكرة اللبنانية بمحطات متعددة من الصراع مع إسرائيل. 

 

تحولت القلعة خلال العقود الماضية إلى أحد المواقع التي تحمل دلالات تتجاوز وظيفتها العسكرية، مما جعل أي تغيير في وضعها الميداني يحظى باهتمام يتجاوز حدود الجنوب اللبناني نفسه.

 

ولا يمكن فصل أهمية القلعة عن بعدها الحضاري والديني أيضًا. فالمنطقة التي تقع فيها كانت على مر القرون نقطة تلاقٍ بين حضارات وثقافات متعددة، وشهدت تعاقب قوى سياسية ودينية مختلفة تركت بصماتها على تاريخها. 

 

ولهذا ينظر كثير من اللبنانيين إلى القلعة باعتبارها جزءًا من الإرث التاريخي للبلاد، لا مجرد موقع مرتفع يمكن إدراجه ضمن خرائط العمليات العسكرية.

 

وفي هذا السياق، تبدو السيطرة الإسرائيلية على القلعة محاولة للجمع بين المكسب الميداني والرسالة السياسية. 

فمن جهة، توفر القلعة موقعًا مرتفعًا يمنح أفضلية في الرصد والمتابعة، ومن جهة أخرى يبعث الاستيلاء على أحد أشهر معالم الجنوب اللبناني برسالة تتجاوز حدود المعركة المباشرة مع حزب الله.

 

تبدو قلعة الشقيف اليوم نقطة التقاء بين ثلاثة عناصر في آن واحد: موقع جغرافي يمنح أفضلية ميدانية، ومعلم تاريخي يحمل إرثًا يمتد لقرون، ورمز سياسي يتجاوز حدود الحجر والأسوار.

وبين هذه الأبعاد الثلاثة يمكن فهم سبب عودة القلعة إلى واجهة الأحداث، ولماذا تحظى السيطرة عليها باهتمام يتجاوز حجمها الفعلي على خريطة العمليات العسكرية.

 

لكن التجارب السابقة في جنوب لبنان تشير إلى أن السيطرة على المواقع المرتفعة لا تعني بالضرورة حسم الصراع أو تغيير موازين القوى بشكل دائم. 

فهذه المرتفعات كانت على الدوام جزءًا من معارك النفوذ والسيطرة، وتعاقبت عليها قوى عديدة عبر التاريخ، فيما بقيت قيمتها الأساسية مرتبطة بقدرتها على التأثير في محيطها الجغرافي والسياسي.

 

ولهذا تبدو قصة القلعة أبعد من مجرد خبر عن موقع أثري انتقلت السيطرة عليه من طرف إلى آخر. 

 

المشهد يعكس اتجاهًا أوسع في المواجهة الدائرة في جنوب لبنان، عنوانه السعي إلى الإمساك بالأرض المرتفعة والنقاط الحاكمة، في مرحلة تحاول فيها إسرائيل ترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب ميدانية أكثر ثباتًا، بينما يسعى حزب الله إلى منع تحول هذه المكاسب إلى واقع دائم على الأرض.

 

وبين الحسابات العسكرية والرمزية التاريخية، تكشف قضية قلعة الشقيف أن الحرب في جنوب لبنان لا تخاض فقط على خطوط النار الحالية، بل تمتد أحيانًا إلى مواقع تختزن ذاكرة قرون طويلة من الصراعات والتحولات. 

 

وهنا يبقى السؤال المطروح اليوم والذي لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل قد سيطرت على القلعة، بل بما إذا كانت هذه الخطوة ستمنحها بالفعل ما تسعى إليه من نفوذ وتأثير في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية وتعقيدًا.

الاخبار العاجلة