القدوة الخطأ.. من يحمي هوية المجتمع؟!

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

في كل مجتمع توجد مساحات للاختلاف في الأذواق والآراء والاختيارات الشخصية، لكن هناك فارقا ََ كبيرا ََبين السلوك الفردي الذي يبقى في نطاقه الخاص، وبين السلوك الذي يصدر عن شخصية عامة تمتلك القدرة على التأثير في ملايين المتابعين، خصوصًا من الشباب والمراهقين.

خلال السنوات الأخيرة، شهدنا ظهور بعض الفنانين والمشاهير بملابس وهيئات لا تنسجم مع ما اعتاد عليه المجتمع من تمييز واضح بين مظهر الرجل ومظهر المرأة، بل وصل الأمر أحيانًا إلى ارتداء ملابس أو إكسسوارات ذات طابع نسائي بصورة مقصودة، تُقدَّم على أنها حرية شخصية أو نوع من أنواع التجديد والاختلاف وإثارة الجدل.
ومن حق أي مجتمع أن يناقش مثل هذه الظواهر وأن يعلن موقفه منها، لأن القضية لا تتعلق بقطعة ملابس أو مظهر عابر، بل تتعلق برسائل ثقافية وقيمية تُبث بصورة يومية إلى أجيال ما زالت في مرحلة التكوين الفكري والنفسي.

ومن المنظور الديني، فإن التشبه بين الرجال والنساء في الهيئة والملبس مما نهت عنه الشريعة الإسلامية، حفاظًا على الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وصونًا للخصائص التي تميز كل جنس عن الآخر. كما أن معظم الثقافات المحافظة عبر التاريخ كانت ترى أن وضوح الهوية الرجولية والأنثوية يمثل أحد عناصر الاستقرار الاجتماعي والأسري.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن الخطورة الحقيقية لا تكمن في تصرف شخص بعينه، بل في تحوله إلى نموذج يحتذى به؛ فالمراهق لا يقلد الفنان لأنه اقتنع بكل أفكاره، بل لأنه يراه ناجحًا ومشهورًا ومؤثرًا ومع تكرار المشاهد والرسائل الإعلامية، تصبح بعض السلوكيات الشاذة عن ثقافة المجتمع مألوفة، ثم مقبولة، ثم ربما تتحول مع الوقت إلى موضة يسعى البعض إلى تقليدها دون إدراك أبعادها.

ولذلك فإن إدانة هذه الظواهر ليست تعصبًا ضد الأشخاص، وليست مصادرةً للحريات، وإنما هي دفاع مشروع عن منظومة قيم يراها المجتمع جزءًا من هويته الثقافية والحضارية والدينية .. فالحرية حق أصيل، لكنها لا تعني إعفاء الشخصيات العامة من المسؤولية الأدبية تجاه الأثر الذي تتركه في عقول الأجيال الجديدة.
وفي المقابل، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون بالغضب وحده، بل بالوعي والعمل .. وهنا يبرز دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول عن هوية الأبناء. فالمطلوب ليس فقط منع التقليد، وإنما بناء شخصية متوازنة قادرة على التمييز بين الإعجاب بالموهبة وبين تقليد السلوك، وبين متابعة الفنان والاستسلام الكامل لتأثيره.

كما أن للدولة دورًا لا يقل أهمية، من خلال مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والشباب، عبر دعم النماذج الإيجابية، وتقديم محتوى يرسخ القيم الوطنية والأخلاقية، وتشجيع الأعمال الفنية التي تجمع بين الإبداع والالتزام بالمسؤولية المجتمعية. فالمعركة الحقيقية ليست مع شخص أو فنان بعينه، وإنما مع حالة من السيولة القيمية التي تجعل كل شيء قابلًا للتسويق والتقليد دون ضوابط أو معايير.

إن المجتمعات لا تفقد هويتها دفعة واحدة، بل عبر تنازلات صغيرة ومتكررة يراها البعض غير مهمة في بدايتها .. ولهذا فإن الحفاظ على القيم لا يبدأ عند وقوع الخطر، بل يبدأ من الانتباه المبكر لكل ما قد يؤثر في تشكيل وعي الأجيال القادمة.
فإذا كان الفن قوة ناعمة قادرة على بناء الأمم، فإنه قد يتحول أيضًا إلى أداة هدم عندما يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية. وبين الحرية والمسؤولية يبقى السؤال مطروحًا: هل نريد من المشاهير أن يكونوا مجرد صناع شهرة ؛؛ أم قدوات تدرك حجم تأثيرها في مستقبل المجتمع؟

الاخبار العاجلة